مرة أخرى عن مبادرة «دول جوار سوريا»

عريب الرنتاوي
كنا عرضنا لمبادرة «دول جوار سوريا» من قبل، وقلنا أنها مبادرة إنسانية بامتياز، خالية من السياسة والأجندات والاستهدافات، هدفها معالجة مأساة اللجوء السوري إلى دول الجوار الأربع..والمبادرة بحكم طبيعتها، تقوم على «التوافقية» لا «الإكراه»، وهدفها تأمين مناطق منزوعة من السلاح والمسلحين يلوذ إليها النازحون في وطنهم، بدل أن يواجهوا ذل المنافي والشتات.

اليوم، يجدر التفكير بهذه المبادرة على نحو أعمق وأكثر جدية..فنحن في الأردن كما في لبنان بخاصة، لم نعد نقوى على حمل أعباء اللجوء السوري..هذا أمر فوق طاقتنا على الاستيعاب والاحتمال، وسيصبح الأردن بمجمله، منطقة منكوبة إن وقع «الانفجار الكبير» في دمشق، وليس المحافظات الشمالية وحدها..وما ينطبق علينا ينطبق على لبنان، بالدرجة ذاتها، إن لم نقل بدرجة أكبر.

ولسنا في الأردن أو لبنان بخاصة، في وضع يمكننا من فرض مناطق آمنة وممرات إنسانية وحظر جوي..هذا السيناريو يتخطى إمكانياتنا وتفكيرنا، وهو إن حصل، فسيكون بمثابة إعلان حرب على سوريا، وتورط في رمالها المتحركة..وليس لنا مصلحة في استدعاء تدخل دولي، غير مرغوب وغير محسوب، من بوابة الملاذات الآمنة ومناطق الحظر..فمثل هذا السيناريو سيفتح علينا أبواب الجحيم على اتساعها، وسيخرج كل شياطين المنطقة من قماقمها.

دعونا نفكر بسيناريو آخر، من خارج الصندوق..دعونا نبحث في «المنطقة العازلة التوافقية» التي يمكن إنشاؤها بالتنسيق مع المعارضة والنظام في سوريا..مناطق لا يدخلها الجيش ولا يستهدفها..مناطق لا تدخلها المعارضة ولا تتخذ منها «دروعاً بشرية» لضرب الجيش ومؤسسات الدولة السورية..مناطق تنتشر على مقربة من حدود سوريا مع دول جوارها الأربع، وتكون خالية من السلاح والمسلحين.

مناطق تديرها المنظمات الإنسانية السورية والعربية والدولية..وتتوفر على الإيواء الكريم لملايين السوريين في وطنهم وبين أهلهم..مناطق تدار بأجهزة مدنية فقط، وقوات شرطية (يمكن أن تكون أممية) يمكن الاتفاق عليها لحفظ الأمن والنظام، مناطق لا تنفصل عن سوريا ولا تتمرد عليها، ولا تخضع لسيطرة المتربصين من الداخل وفي الإقليم.

للنظام مصلحة في هذه الاستجابة لهذه المبادرة التوافقية، أقله لرفع الحرج الذي يتسبب به وجود ملايين اللاجئين في المنافي والشتات واللجوء..وللمعارضة مصلحة في ذلك، إن كانت مخلصة لقضية رفع المعاناة بدل الاتجار بها..ولدول الجوار مصلحة فيها، بعد أن تحول اللجوء السوري إلى مصدر تهديد استراتيجي، بعيد المدى، لمواردها وأمنها الوطني..وللمجتمع الدولي مصلحة فيها، إن كانت لديه بقية من ضمير إنساني يقظ.

لكن الطريق إلى «المناطق الآمنة التوافقية» ليس معبداً بالورود..هناك من يرغب في «اللعب على ورقة اللجوء»، وهناك من يريد الاستثمار في معاناة الإنسان السوري..وهناك من يفضل الاتجار بالإغاثة والمساعدات الدولية..هؤلاء جميعاً سيعملون على إحباط هذا المسعى..هناك من يفضل لغة الحسم والعسكرة والتجييش غير آبه بمعاناة ملايين السوريين في وطنهم والشتات.

وفي مواجهة هؤلاء جميعاً، يتعين السعي لبناء توافق دولي – إقليمي حول هذه القضية الإنسانية حصراً..نبدأ بروسيا وإيران، ولا ننتهي بواشنطن وبروكسل، فإن تم التواصل إلى «تفاهمات» حول هذا الموضوع، أمكن فرضه على الجميع، وتوفير شبكة أمان وحماية لهذه المناطق، وبث رسائل طمأنينة للنظام والمعارضة، والأهم للاجئين أنفسهم.

دول جوار سوريا الأربع سترحب بهذا الاتفاق..أقله ثلاث منها سيقف إلى جانبه ولها مصلحة فيه: الأردن، لبنان والعراق..ويجب أن يبذل جهد مع تركيا، التي ضاقت ذرعاً باللجوء واللاجئين، على تواضع أعدادهم بالمعنى المطلق والنسبي، قياساً بلبنان والأردن، وبالإمكان بجهد دبلوماسي دؤوب ومبادر، أن نجعل من هذه المبادرة، السيناريو الأقل كلفة على الأردن والدول المضيفة للاجئين.

قد يقول قائل، إن النظام في دمشق لن يقبل بصيغة كهذه، تُدخل مناطق الحظر والمناطق العازلة، من البوابة الإنسانية بعد أن فشلت الأدوات العسكرية في فرضها..هذا ليس مؤكداً ولكنه ليس مستبعداً في الوقت ذاته..النظام سيطمئن بوجود روسيا وإيران في قلب العملية..أما إن «ركب النظام رأسه» رغم كل الضمانات والتطمينات، فعندها لن يبقى أمامنا جميعاً سوى خيار واحد: هو فرض هذه المناطق بوسائل أخرى. (الدستور)
تابعو الأردن 24 على