فيّاض .. من يجرؤ على قبول الاستقالة؟

عريب الرنتاوي
استقال أم لم يستقل؟، سؤال يهيمن على الوسط السياسي والإعلامي في فلسطين والعواصم المعنية، منذ أن تم تسريب خبر استقالة “مفترضة” لحكومة الدكتور سلام فيّاض قبل بضعة أيام.

بعضهم قال، أن فيّاض استقال فعلاً إثر تفاقم ضغوط فتح على الرئيس عباس لإقالة الحكومة وبالأخص رئيسها، بعضهم وصف العلاقة بين “الرئاستين” بالمتوترة على خلفية استقالة (إقالة) وزير المالية نبيل قسيس، بعضهم قال أن الاستقالة قديمة، تعود لشباط الفائت، وربما لتواريخ أسبق، تمهيداً للطريق أمام المصالحة وحكومة الوحدة الوطنية التي قررها اتفاق الدوحة بين عباس ومشعل.

الاتصالات انهالت على الرئيس فياض لثنيه عن الاستقالة، لا نعرف إن كانت حقيقية أم “تسريبات” عن مكتبه بهدف إظهار “المكانة الدولية” لرئيس تصريف الأعمال (هل تذكرون)، لكننا نعرف بكل تأكيد، أن المرحلة المقبلة في الضفة الغربية، ذات طبيعة اقتصادية بامتياز (بسبب غياب الاختراق السياسي/ التفاوضي)، ومَنْ غير سلام فيّاض، يمكن أن يكون موضع ثقة الغرب ورضاه الكاملين؟!.

ليست المرة الأولى، التي يُعلَن فيها عن استقالة فيّاض، ثم عودته عن الاستقالة، أو رفض استقالته، لقد أصبح فيّاض “قدر” الشعب الفلسطيني الذي لا رادَّ له ولا فكاك منه، حركة فتح لا تريده، ومنذ سنوات، لكنها تقف عاجزة أمام عجزها أولاً، وأمام شبكة العلاقات الدولية التي تفرض فيّاض على الشعب الفلسطيني ثانياً، لقد قيل في وصف الرجل ما يشبه “الأساطير”، حتى أن كاتباً بوزن “توماس فريدمان” توسع في التنظير “للفياضية” إلى أن جاء ناثان براون من كارنيجي، ليبدد أسطور “رجل المؤسسات” وباني “الدولة الفلسطينية الحديثة” في “ورقته” الشهيرة.

ليس لفيّاض قاعدة قوة داخلية في فلسطين، لا قواعد شعبية “مُثبتة” تسند الرجل، في الانتخابات التشريعية كانت كتلته البرلمانية مكونة من نائبين اثنين، رغم بذخ الحملات الانتخابية، سرعان ما انشقت إلى كتلتين، لكن الرجل الذي هبط على الحركة الوطنية من خارجها، وهي في أرذل العمر، وبمظلة البنك الدولي، بات رقماً صعباً في المعادلة الفلسطينية الداخلية، يصعب اجتيازه، حتى على الرئيس الشرعي المنتخب، وزعيم التنظيم الأكبر والسلطة والمنظمة الممثل الشرعي والوحيد، لكأننا نعود إلى زمن “القناصل” وعصر “المندوب السامي”.

لست هنا بصدد تقييم الرجل ولا إطلاق أحكام قيمية على أداء حكومته، هناك الكثير مما يقال في هذا الصدد، من الأكاذيب إلى الحقائق، لكن “الفيّاضية” التي قلنا في وصفها ذات يوم، أنها حصيلة التقاء مساري “الدايتونية” و”البليرية”، تنهض شاهداً على انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ووصولها جداراً مسدوداً، مثلما تنهض كشاهد على الحاجة الماسة لإعادة بناء هذه الحركة وبعثها من جديد، وإلا لما كان بمقدور رجل واحد، أن يكون له كل هذا التأثير الوازن في حياة الشعب وخياراته المصيرية، لا سيما إن “جاء من أقصى المدينة”.

لا أستبعد على الإطلاق، أن تنتهي استقالة فيّاض وحكومته ببيان رسمي يصدر عن “المقاطعة” ينفي فيه جملة وتفصيلاً نباء الاستقالة، وتطوى هذه الصفحة كـ”زوبعة في فنجان”، بل وربما يتهم مروّجو هذه الشائعات بانهم “طابور خامس” يخدمون أجندات خارجية مشبوهة، كما أنني لا أستبعد وجاهة ما يُشاع عن أن الرئيس عباس (قد) يستعجل تشكيل الحكومة الوطنية، لا حباً بالمصالحة وحماس، بل رغبة في التخلص من “الشريك الثقيل” الذي بات يجثم على صدور فتح والرئاسة والسلطة والمنظمة، ويتربع فوقها من دون منافس أو مزاحم، وبإسناد قوي من يساريين متهافتين ومسؤولين ارتبطوا بـ”الفيّاضية” بعلاقة “زبائنية” يعرفها القاصي والداني.

سنفترض أنه السير ونستون تشرتشل، الذي قاد بريطانيا العظمى للنصر المؤزر على النازية في الحرب العالمية الثانية، لقد خسر أول انتخابات مع نهاية الحرب، وعاد إلى منزله، أو تشارل ديغول بطل حرب التحرير الوطنية الفرنسية، الذي استقال بعد أقل من عام من تحرير فرنسا، وخسر انتخابات 1953 ليمكث في منزله حتى العام 1959 ليعود كأول رئيس للجمهورية الخامسة، كيف أمكن لشعوب هذه الدول العظمى “خلع” أبطالها المدججين بالشرعيتين الثورية (التحريرية) والدستورية (الانتخابية)، في الوقت الذي يعجز فيه الشعب الفلسطيني وقيادته عن خلع رئيس حكومة تصريف أعمال، لم تُعرض قط على المجلس التشريعي، ولم تحظ بأي سند قانوني صلب لمزاولة مهامها منذ تأسيسها؟، ولم تسجل سوى مأثرة واحدة في سجلها الطويل: إبقاء أصابع الفلسطينيين وانظارهم متسمرة على “ازرار” ماكينات الصرّاف الآلي، نهاية كل شهر، بعد أن فقدت هذه الأصابع وظيفتها في الضغط على الزناد؟.


(الدستور)
تابعو الأردن 24 على