برواس حسين

عريب الرنتاوي
فتح البرنامج الجماهيري “آراب أيدول” أبوابه لأول مرة، لمشاركة شابة كوردية حسناء هي برواس حسين، غنت ابتداءً باللغة العربية، وعندما طُلٍبَ إليها، غنت الكردية، واجتازت حتى الآن، المراحل الأولى من “التصفيات”، وسط تكهنات المنظمين، بأنها قد تقطع مراحل أخرى، ولكن من دون جزم بقدرتها على الوصول إلى النهائيات، وبسبب حاجز اللغة أساساً.

هي مبادرة رائعة بلا شك، فالكورد في المنطقة العربية، طالما استمعوا لموسيقانا وأغانينا، وطالما رددوها، ولم نكن نرى شيئاً غير اعتيادي في ذلك، نحن أصحاب “النظرة المركزية” لأنفسنا..لكن يبدو أن رياح الربيع العربي، وخروج المارد الكوردي من قمقمه، سيعطي كورد المنطقة، ولأول مرة في تاريخهم الحديث، فرصة استعادة التوازن في علاقاتهم مع دول المنطقة وأممها وشعوبها.

تنسب مقدمة إحدى البرامج الثقافية والفنية في إذاعة “بي بي سي” إلى الإمام الغزالي وصفه لـ”من لم يحركه الربيع وأزهاره، والعُود وأوتاره، فهو فاسد المِزاج، ليس له علاج”..وتروي عن ابن خلدون قوله إن “أول ما ينقطع فى الدولة عند انقطاع العمران صناعة الغناء”..لقد انقطع العمران الكوردي، وظلت موسيقاهم وأغانيهم ضحية حملات المُصادرة والمنع والإلغاء في بلادهم المقسمة، وفي أحسن الحالات، ظلت حبيسة جدران “الحكم الذاتي المحدود” الذي فُرض عليهم بالسيوف والسياط و”الكيماوي”..ولكن مع عودة الروح للكيانية الكوردية من جديد، نبتت أجنحة قوية لموسيقاهم وأغنياتهم، نقلتها برواس حسين إلى جمهور عربي عريض، وعبر شاشة وبرنامج جماهيريين، فأطربت الجمهور وهزت مشاعرهم وانتزعت التصفيق الحار من الأكف المتحمسة والهتاف العاصف من حناجر الشباب والصبايا.

هي مناسبة بلا شك، لنلج باباً آخر، مع شعب جار وشقيق، اندمج بنا واندمجنا به..له إسهامه المُقدر في بناء حضارة العرب والمسلمين والذود عنها..خاض معهم وإلى جانبهم، حروب المنطقة في وجه الغزاة والطامعين..وقاتل إلى جانب ثورات شعوبهم وقواها الحيّة من أجل طرد الاستعمار وانتزاع الاستقلال الوطني، مثلما خاض مع شعب فلسطين وثواره معارك مجيدة وباسلة، ومن الخندق الواحد.

لقد قصّرنا في حق الكورد..أحزاباً ومثقفين ومجتمعا مدنيا..لذنا بصمت القبور حين كان ملايين الكورد يطاردون بـ”الأنفال” ويشردون في الجبال، ويقصفون بمختلف أنواع الأسلحة المحرمة، ويلقون صنوف العذاب والتنكيل في أقبية المخابرات العربية..لقد وقفنا متفرجين أمام مختلف أشكال التهميش والتمييز و”المواطنة غير المتساوية”، وارتضينا بوضع عانى فيه ملايين الكورد من وضعية “البدون” في دولهم ومجتمعاتهم وعلى أرضهم..لم ينتصر العرب للكورد في محنتهم، وعندما استعاد هؤلاء زمام المبادرة، لم نر في “يقظة القومية الكوردية” سوى مشروع مؤامرة استعمارية جديدة ضد “القومية العربية” مع أن العرب والكورد، هم ضحايا المؤامرة ذاتها والمتآمرين أنفسهم..قُسّموا كما قُسّمنا..شُرّدوا كما شُرّدنا..ابتلوا بالديكتاتوريات كما ابتُلينا..وكان من الأجدر والأولى بنا وبهم، أن نكون وإياهم في خندق واحد على مر العصور والأزمان.

برواس حسين، صوت الكورد في مرحلة صعودهم..وجههم الفني والموسيقي الجميل..يعرفه الشباب العربي، ربما أكثر مما يعرفون عبد الله أوجلان وعبد الباسط سيدا وغسان هيتو وجلال طالباني ومسعود البرزاني..هي سفيرة النوايا الحسنة لـ”كوردستان” إلى العالم العربي، نأمل أن تبدد بعض ما علق في الذاكرة الجمعية من صور نمطية متبادلة، وأن تجسّر بعض الفجوات في أوساط الشباب العربي والكوردي. (الدستور)
تابعو الأردن 24 على