نحن والصراع الإيراني - الإسرائيلي

عريب الرنتاوي
طرح الأستاذ عبد الرحمن الراشد سؤالاً في مقالته بالأمس في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية: «هل علينا – دول الخليج – أن نخاف من صراع إيراني إسرائيلي؟..وأجاب عليه بـ»نعم».

السؤال منطقي للغاية، خصوصاً في ظل التهديدات بـ»الإبادة المتبادلة» التي تتطاير بين طهران وتل أبيب، وعلى ألسنة الجنرالات والقادة العسكريين..إسرائيل قادرة لوحدها على تدمير البرنامج النووي الإيراني، يقول رئيس الاركان الاسرائيلي الجنرال بني غانتس..وإيران قادرة أيضاً (وبمفردها) على تدمير إسرائيل، يرد القائد الأعلى للجيش الإيراني، الجنرال آية الله صالحي على نظيره الإسرائيلي.

وجواب السؤال، منطقي كذلك..فعلى الدول الخليجية (وعلينا جميعاً) أن تقلق وتخاف من مخاطر وتداعيات رابع حرب في الخليج في غضون ثلث قرن فقط..هذه المرة، أكثر من أي مرة سبقت، تداعيات الحرب وأكلافها ستكون باهظة على الجميع.

لكن ما يستوقف القارئ للمقال المذكور، ليس سؤال الراشد ولا جوابه، بل السيناريوهات الثلاث التي يستعرضها في شرحه و»تبريره» لمباعث الخوف والقلق، وتفضيله لما يمكن اعتباره أقلها سوءاً واستبعاده للسيناريوهين الآخرين.

أول السيناريوهين المستبعدين (غير المفضلين)، فيتجلى في ضربة عسكرية إسرائيلية «غير ماحقة» لإيران، تترك للأخيرة الفرصة (وبعض الأنفاس) لتنفيذ «ضربة مضادة»..الراشد يخشى أن تكون دول الخليج التي تستضيف قواعد وأساطيل أمريكية، هدفاً لهذه الضربة..فتدخل المنطقة حربا أطول وأكبر مما خططت له وزارة الدفاع الإسرائيلية، وستكون أشد ضراوة من كل الحروب التي شهدتها المنطقة من قبل..الراشد لم يذكر شيئاً عن احتمال قيام إيران بضرب أهداف في إسرائيل، مكتفياً بالإشارة إلى أهدافٍ خليجية وأمريكية في الخليج.

السيناريو السيء الثاني، هو أن تترك إسرائيل والولايات المتحدة والعالم بأسره، إيران وشأنها..أن تترك إيران وبرنامجها النووي، فنستيقظ صبيحة اليوم التالي على «إيران نووية»، وإيران كما قال لن تتورع عن استخدام هذه الأسلحة، تأسيساً على دورها المفترض في دعم وتمويل الإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى.

يبقى السيناريو الأفضل الذي سيمكّن الراشد من النوم قرير العين، هو أن يكون الهجوم الإسرائيلي ماحقاً، يعجز الإيرانيون عن الرد عليه، ويكتفون بالتهديد والوعيد، ويصبح مشروعهم النووي من التاريخ..لكن مشكلة الراشد مع هذا السيناريو أنه «جيّد إلى درجة يصعب تصديقها»، ما يبقي القلق والخوف معتملين في النفوس والصدور والعقول الخليجية.

الراشد يعترف بامتلاك إسرائيل ترسانة نووية، قادرة على دك إيران وتدميرها..ما يكفي لخلق حالة من «توازن الرعب» بين البلدين، لكن شرط الوصول إلى هذه الحالة، غير متوفر إيرانياً وفقاً للراشد، لأن قادة هذا البلد، بلغوا حداً من الجنون، يسمح لهم بتدمير إيران والمنطقة، لتسريع ظهور المهدي المنتظر..أي بؤس وتضليل هذا؟!

السيناريو الرابع، الذي لم يشأ الراشد الخوض فيه، هو دخول دول الخليج، على خط التسلح النووي، لخلق حالة من توازن الرعب، مع إيران وغيرها..تماماً مثلما فعلت الباكستان في صراعها مع عدوتها التاريخية: الهند..هو استشهد بالقنبلة النووية الباكستانية، «الدفاعية» و»الرشيدة» تمييزاً لها عن القنبلة النووية الإيرانية «المجنونة» و»الابتزازية»، بيد أنه لم يلمح ولم يَدعُ إلى الاقتداء بالتجربة النووية الباكستانية على أقل تقدير، لأن العادة جرت في تلك المنطقة، إلى طلب التدخل الدولي واستحضار الجيوش والأساطيل الغربية، عند أول تهديد، أو ملامح تهديد لأمن دولها واستقرارها.

نسي الراشد أو تناسى أن أحد أهم عوامل عدم الاستقرار في الإقليم، هو امتلاك دولة واحدة منه، للسلاح النووي، وأن هذا المنطقة، لن تستعيد توازنها، إلا في واحدة من حالتين: أن تصبح خالية من أسلحة الدمار الشامل بمختلف أنواعها، وهذا ما نادت به دول المنطقة لسنوات وعقود من دون جدوى، أو أن تتوزع هذه الأسلحة على عدد من دولها الكبرى، فيصبح «توازن الرعب» سبباً في استعادة أمنها واستقرارها، وإعادة الحقوق لأصحابها، ولنا أن نتخيل عالماً تفردت فيه الولايات المتحدة بالقنبلة النووية بعد الحرب العالمية الثانية، بل ولنا أن نسأل هل كان بمقدور واشنطن أن تضرب هيروشيما وناغازاكي بالقنبلة، لو أن هذه القنبلة كانت في أيدي عدد أكبر من الأقطاب الدوليين؟

لم يكشف الراشد في مقالته، عن الخانة التي يصنف فيها «القنبلة النووية الإسرائيلية»، وما إذا كانت «عاقلة ورشيدة» من الطراز الباكستاني أم «مجنونة ومبتزة» من الطراز الإيراني، لكن سياق المقال، يشي بما لا يدع مجالاً للشك، بأنها من الصنف الأول، وليس الثاني..كما أن منطوق المقال وسياقه، يشف عن «حلم دفين» برؤية إيران وقد انمحت عن خريطة الإقليم، حتى وإن تم ذلك بالطائرات والصواريخ وأسلحة الدمار الإسرائيلية..المهم أن «تكون الضربة ماحقة»، وأن لا تتعطل الملاحة والتجارة وحركة النفط من الخليج وإليه..المهم أن لا يسقط»لوح زجاج» واحد في مدن الملح والرمل، حتى وإن كان الثمن، دفن أمة جارة وشقيقة تحت أنقاض مدنها وعمرانها.

مؤسف كيف ينبري نفرٌ منا، وتحت ضغط انقساماتنا المذهبية والسياسية، لتسويق وتسويغ «القنبلة النووية» الإسرائيلية والباكستانية (السنيّة)، ويعمل في المقابل، على شيطنة ما يُعتقد أنه قنبلة إيرانية (شيعية)، تقول إسرائيل والولايات المتحدة، أنها لم تر النور بعد، ويبذل قصارى ما بوسعه، للترويج لـ»الضربة الماحقة» الاستباقية، بالاستعانة بإسرائيل، ويفضل أن تكون الولايات المتحدة معها، حتى وإن كان الثمن، تدمير أمة شقيقة ودولة جارة وحضارة تمتد لآلاف السنين.الدستور
تابعو الأردن 24 على