«أيقونات» جديدة في سماء فلسطين

عريب الرنتاوي

سطّر المناضل الأسير سامر العيساوي بـ”امعائه الخاوية”، دروساً في الصبر والاحتمال والتضحية والعناد في الحق..دخل موسوعة جنيس من أشرف وأوسع أبوابها، بعد أن سجّل رقماً قياسياً في الإضراب عن الطعام، مهدداً في كل مرة بتصعيد إضرابه ليشمل السوائل والمقويات التي تبقي بعضاَ من “نسغ الحياة” يجري في عروق جسده النحيل التي تيبست بعد أن نسي طعم المأكل والمشرب طوال 277 يوماً متواصلة.

لقد تحول العيساوي إلى “أيقونة” من أيقونات الكفاح الوطني الفلسطيني، وهو دخل تاعريب الرنتاويريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية من بابها المشرف، ناقشاً اسمه بحروف من ذهب ونار..والمؤكد أن تجربة الرجل، باتت تلهم الحركة الأسيرة وتلهب مشاعر الشارع الفلسطيني وأحساسيه، وتوحده في مختلف مناطق شتاته، خلف قضية الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال وزنازنيه.

لقد مرّغ أنوف جلاديه بالوحل، وأجبر أكثر الشخصيات السياسية الإسرائيلية عنجهية وغطرسة للرضوخ أمام إملاءاته ومطالبته، منتزعاً حريته بيديه و”أمعائه”، فارضاَ على نتنياهو التوقيع على “صك إذعان” لم يعتد التوقيع على صكوك مثله، بعد أن طال واستطال، مناخ الهزيمة والانقسام والاستجداء والتراخي.

من صمود العيساوي وبسالته، اشتق الطفل أحمد الجوابرة (13 عاما)، بطولته ورجولته المبكرة..انتصب واقفاً في وجه “زوار الفجر” الذين داهموا بيته كالرعاع، مدججين بالسلاح والكراهية..يبحثون عن طفلٍ ألقى حجراً..لم يطلب منهم “الرحمة والرأفة”..كل ما طلبه من “الكوكلاكس كلان الجدد”، يوم واحد إضافي مع الحرية ليفرغ من امتحاناته المدرسية، ويستقبل من بعده، السجن برحابة صدر وطول نفس.

الجوابرة، قضى أكثر من أسبوعين في التوقيف الإداري، تعرض خلالها للتعذيب النفسي والجسدي، للتخويف والترويع، ولم يخلَ سبيله إلا بعد دفع كفالة مالية، على أن يبقى لعام كامل قيد الإقامة الجبرية في منزله، لا يغادره إلا للمحكمة التي من المتوقع أن تحكم عليه بالسجن لستة أشهر، بسبب قذفه جنود الاحتلال بحجر.

وهو يروي تفاصيل ما جرى معه في فترة توقيفه، يتحدث الجوابرة كالرجال، وليس كالأطفال، بل ويستعير لغة كبار المناضلين الأبطال والأشاوس: لقد حاولوا أن ينتزعوا مني معلومات عن زملائي الذين شاركوني في قذف جنود الاحتلال وحماة الاستيطان بالحجارة..لكنني لم أعترف على أحد ولم أبح بأي اسم، يقولها بكل فخر، وهو الذي بالكاد غادر سنيّ الطفولة ولهوها.

وقبل أيام، كان الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده على موعد مع “جنازة” الشهيد ميسرة أبو حميدة، الذي قتلته إسرائيل بالإهمال، وتركت للخلايا السرطانية أن تنخر جسده وتزهق روحه، بعد أن عجزت سلطات الاحتلال عن كسر عزيمته ومصادرة إرادته الحرة، في وقفة تحدٍ ملهمة لجيل من الشباب والشابات، تمور بداخله رياح الثورة والانتفاضة، ضد القهر والظلم والاحتلال.

في مناخات الانقسام الباعثة على اليأس والإحباط، تأتي البشارة من الزنازين وأقبية السجون..في مناخات الترك والنسيان والإهمال العربي والدولي واختلاط الأجندات والأولويات، يذكرنا الأسرى والمعتقلون بأن فلسطين أولاً...في مناخات الهزيمة و”التسويات” و”المفاوضات العبثية”، يأتي من يقدم لنا دروساً جليلة في الصمود والثبات والاستمساك بالحق حتى الرمق الأخير..في مناخات التنازل والتراجع ، يأتيك من يسطر أمام ناظريك أسطورة الانتصار المجيد للكف على المخرز.

الحركة الوطنية الأسيرة التي طالما احتلت الخنادق المتقدمة في معارك الشعب الفلسطيني من أجل حريته واستقلاله، تعود اليوم لتسطير المزيد من ملاحم الصمود والثبات، وتعلمنا أن روح المقاومة وجذوة المثابرة لم تنطفء في صدور “شعب الجبّارين”..وهي وإن كانت المبادرة في تقديم مشاريع الحلول والمخارج لأزمة الانقسام الفلسطيني المخجل والمعيب، فإنها اليوم، بأمعاء أبنائها وبناتها الخاوية، توحد الشعب الفلسطيني في الميدان، وتقود معارك المواجهة مع الاحتلال، بل وتهدد بإشعال الأرض من تحت أقدام الغزاة..فطوبى لهؤلاء الرجال والنساء والأطفال، الذين فرضوا أطواق العزلة والحصار حول أعناق جلاديهم ومحاصريهم، طوبى لهم وهم يعلموننا كل يوم، كيف نكون أحراراً. (الدستور)

تابعو الأردن 24 على