استدارة الإخوان

عريب الرنتاوي
ثمة ما يشي بحدوث “استدارة” في مواقف جماعة الإخوان المسلمين من الأزمة السورية، وما أحدثته من حراك في التحالفات والاصطفافات..من الدعوة للعسكرة والتسليح والحسم واستدعاء الناتو (أنظر دعوات الشيخ القرضاوي)، من حديث عن ثورة ولا شيء غير الثورة في سوريا..إلى مطالبة بحقن الدماء ووقف العنف والدعوة لحل سياسي وأحاديث عن “مؤامرة على سوريا” تسير جنباً إلى جنب مع “الثورة فيها”.

رافق ذلك وترتب عليه، حدوث تطورين مهمين، يشيان بهذه الاستدارة ويبشران بمقاربة جديدة..الأول، وتمثل بزيارة الرئيس المصري محمد مرسي إلى موسكو، وما تخللها من بحث في العمق في ملفات سوريا والعلاقات الثنائية والمشهد الإقليمي – الدولي المضطرب..والثاني، في “البعثة الرئاسية” إلى طهران، والتي ضمت كلا من مساعد الرئيس للعلاقات الخارجية والتعاون الدولي د. عصام حداد يرافقه مدير ديوان الرئاسة محمد رفاعة طهطاوي ومدير مكتب الرئيس أحمد شيحة إلى إيران، ولقاءاتها رفيعة المستوى مع كل من الرئيس أحمدي نجاد ومستشار المرشد الأعلى علي أكبر ولايتي أمين عام مجلس الأمن القومي سعيد جليلي ووزير الخارجية على صالحي، وقد تركز البحث في هذه الزيارة، على الملفات ذاتها، وسط حديث عن رغبة مصرية، وتشجيع إيران، على إحياء مبادرة مرسي الرباعية التي مضى على إطلاقها أكثر من عام، لكنها جوبهت بالصد من قبل المملكة العربية السعودية التي قاطعت اجتماعات اللجنة.

مصر (مرسي) ومن خلفها جماعة الإخوان المسلمين، بدأت تراقب بحذر بالغ، تقلبات المشهد السوري، ومن ضمن ما يمكن إن يكون سبباً من أسباب الاستدارة، ارتفاع حمى الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على سوريا، تحت مبرر أسلحة الدمار الشامل، وفي ظل انخراط نشط من قبل بعض الأطراف العربية والإقليمية في هذا المشروع، الذي وإن لن يأخذ شكل “الغزو الشامل” للأراضي السورية، إلا إن ما يتردد عن عمليات وإنزالات ومناطق حظر طيران وضرب مراكز القيادة والتحكم والسيطرة ومواقع الأسلحة الاستراتيجية و”الكيماوية”، يدفع الإخوان إلى إعادة التفكير في تموضعاتهم السياسية والتحالفية، أياً كانت درجة حماستهم لتغيير النظام في سوريا، وتسريع وصول أشقائهم لسدة الحكم فيها.

لقد سقط رهان الجماعة على تغيير سريع في سوريا، يحمل فرعها هناك إلى سدة السلطة والحكم، إسوة بما حصل في عدد من دول الربيع العربي..لكن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر، والأزمة السورية، باتت مفتوحة على شتى الخيارات والبدائل والسيناريوهات، ومن المؤكد أن معظمها لا يجلب معه أنباءً سارة للجماعة التي باتت لاعباً إقليمياً رئيساً في العامين الفائتين.

أضف إلى ذلك، أن مصر (مرسي) بدأت تلحظ بزوغ عناصر “حلف إقليمي جديد”، يسعى في وراثة “معسكر الاعتدال العربي” الذي كانت مصر أحد أركانه ذات يوم..هذا الحلف يضم إلى جانب السعودية كلا من: الأردن والإمارات العربية، في مواجهة “حلف المتطرفين” الممتد من القاهرة إلى أنقرة مروراً بالدوحة..أما القاسم المشترك الأعظم للحلف الجديد، فهو كراهية الإخوان المسلمين والعداء لهم، بدلالة ما صدر ويصدر عن هذه العواصم وكبار المسؤولين السياسيين والأمنيين فيها وما تردده وسائل إعلامها الرسمية والممولة منها، من حملات “مكارثية” ضد الإخوان المسلمين.

إزاء احتمالات نهوض حلف كهذا، يسعى في إسقاط تجربة الحكم الإخواني في مصر وتونس، والتشديد عليها في قطاع غزة، وتهميش دور الإخوان المسلمين في مؤسسات المعارضة السورية لأسباب وذرائع شتى، تجد الجماعة نفسها في حاجة ماسة لمراجعة مواقفها من الأزمة وإعادة تقييم بعض تحالفاتها العربية والإقليمية

لقد رأينا إخوان مصر و”رئيسها” يولون وجوههم شطر موسكو وإيران..رأينا حماس تسعى إلى ما هو أمتن وأبعد من “شعرة معاوية” مع طهران والضاحية الجنوبية..رأينا إخوان الأردن، يخرجون في تظاهرات وبيانات ضد “العدوان المرتقب على سوريا”، وضد الوجود الأمريكي على الأراضي الأردنية..والأرجح أننا سنرى في المستقبل القريب، المزيد من المؤشرات الكاشفة عن حدود وأبعاد عملية “التقييم والتقويم” لمقاربة الجماعة للأزمة السورية ببعديها المحلي والإقليمي..كما أننا سنرى من دون ريب، مزيداً من الهجمات السياسية والإعلامية المركزة على الجماعة تشنها بعض صجف لندن وفضائيات الخليج وفتاوى البلاط والدواوين السلفية..وهي هجمات لم تتوقف على أية حال، منذ اندلاع أولى شرارات الربيع العربي.

لكن المفارقة الأهم التي سيتعين على جماعة الإخوان التعامل معها، إنما تتمثل في حلفهم الوثيق مع قطر وتركيا اللتين تقودان محور التطرف في التعامل مع الأزمة السورية..هل سيتأثر هذا التحالف بهذه الاستدارة، كيف وإلى أي حد ومستوى..هل ستحدث العلاقة الجديدة الناشئة مع طهران وموسكو، التوازن المطلوب إخوانياً، مع محور قطر – تركيا.

ثم ماذا عن إخوان سوريا، وكيف ستنعكس هذه الاستدارة على مواقفهم وتحالفاتهم، داخل أطر المعارضة السورية وعلى مستوى الإقليم..كيف ستنعكس هذه الاستدارة على تعاطيهم مع المبادرات المطروحة لحل الأزمة السورية، سلماً وحرباً..هل ستشملهم الاستدارة، أم أنهم سيعيدون انتاج سيناريو “إخوان العراق” الذي غرّدوا خارج سرب الجماعة الأم، قبل عشرة أعوام وأزيد قليلاً، عندما ناهضت الجماعة الأم ومعظم فروعها، الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق، فيما تماهى “إخوان العراق” مع ذاك الغزو ومراميه، واندمجوا في النظام والعملية السياسية التي رافقته وأعقبته؟..أسئلة برسم المستقبل.الدستور
تابعو الأردن 24 على