عبد الله غيث.. ابن العمدة الذي تعلم منه أنتوني كوين
صادف يوم أمس الثلاثاء الذكرى التسعين لميلاد الفنان المصري الراحل عبد الله غيث الذي ولد في 28 يناير/كانون الثاني 1930 بمحافظة الشرقية ثالث أكبر محافظات مصر من حيث عدد السكان.
لم يمتلك عبد الله غيث الوسامة التي كانت أحد أهم مقومات النجومية بين أبناء جيله الذي حصلوا على فرص البطولة بسهولة مثل عمر الشريف ورشدي أباظة وأحمد رمزي وغيرهم، إلا أنه برع في إتقان أدواره وتقمص الشخصيات، فضلا عن لغته العربية المميزة وصوته الرخيم، مما جعله واحدا من أهم الفنانين في مصر.
بعكس تفوقه كفنان عبقري لم يكن متفوقا دراسيا بل كان يهرب من المدرسة من أجل الذهاب إلى السينما حتى أنه بعد حصوله على الشهادة الثانوية لم يكمل تعليمه وتفرغ للإشراف على الأراضي الزراعية التي تمتلكها أسرته.
لكن بعد سنوات شعر برغبة ملحة في الانتقال إلى القاهرة والالتحاق بمعهد الفنون المسرحية بإشراف من شقيقه الأكبر الفنان حمدي غيث، والذي كان يعمل أستاذا وقتها في المعهد بعد دراسته في باريس.
اللغة العربية والصوت المميز لعبد الله غيث ساعداه على أداء أعمال كلاسيكية ومترجمة وصلت إلى أكثر من مئة مسرحية، منها دنشواي الحمراء، وكفاح شعب، والزير سالم، وآه يا غجر، والوزير العاشق، ومرتفعات وذرنج، وملك القطن، والحسين ثائرا.
لكن عمل غيث في الزراعة عبر الإشراف على أراضي العائلة مكنه من الانغماس في حياة العمال والفلاحين، خاصة أنه كان يرتدي الجلباب التقليدي ويجلس معهم على الأرض يتناول طعامهم، وهو ما جعل أهالي القرية يرحبون به كعمدة جديد بعد وفاة والده وشقيقه الأكبر، لكنه قرر التنازل عن العمودية لابن عمه لانشغاله بالفن، لكنه ظل حريصا على التواصل مع الفلاحين أسبوعيا.
لذلك لم يكن غريبا على عبد الله غيث أن يتقن شخصية أدهم الشرقاوي حين رشحه المخرج حسام الدين مصطفى ليقدم سيرة البطل الشعبي عام 1964، حيث تقمص الشخصية المحاربة لظلم ملاك الأراضي والإقطاعيين، والمناصر للبسطاء وللفلاحين، بالإضافة إلى تصديه لقوات الاحتلال الإنجليزي وقتها، فكان الشرقاوي هو "روبن هود"، في إشارة إلى شخصية فلكلورية إنجليزية اعتبرت رمزا للدفاع عن الفقراء.
تضمن الفيلم مجموعة من المواويل بصوت عبد الحليم حافظ، ومن تأليف مرسي جميل عزيز وألحان محمد الموجي، وهي التي ساهمت في زيادة نجاح الفيلم فنيا وتجاريا، ولا يزال من علامات السينما المصرية.
لكن بعد مشاهد قليلة شعر الجميع أن عبد الله غيث يقدم الشخصية بشكل أفضل، خاصة أنها شخصية عربية مسلمة، فالثقافة واحدة والانفعالات أقرب إلى الممثل العربي من الأجنبي.
يقول عبد الله غيث إن الممثل العالمي كوين طلب أن يبدأ غيث أولا حتى يشاهد ويقتبس منه الأداء والانفعالات، وفي تصريحات صحفية قال كوين "لو كان عبد الله غيث في أوروبا أو أميركا لكان له شأن آخر"، ونشأت بينهما صداقة قوية استمرت لسنوات قبل رحيلهما.
وظل المخرج يحاول الحصول على حل فعرضت المسرحية أمام الجمهور، لكن لم يتم تصويرها، وقرر عبد الله غيث وقتها الاعتزال في حال سمح له الأزهر بتجسيد الشخصية، كي لا يقدم أي شخصية بعدها، لكن الأزهر ظل على موقفه.
وعلى النقيض تماما، في مسلسل "ذئاب الجبل"، حيث قدم شخصية علوان البكري الظالم والقاتل بإتقان شديد أيضا.

ونجح غيث في تقديم الشخصية للتشابه الكبير بينه وبين الرئيس الراحل وقدرته على التقمص، فضلا عن أدائه الصوتي المتميز ولغته العربية الراقية.
زاره وفد ليبي نيابة عن الرئيس الراحل معمر القذافي، والذي عرض عليه بأن يخصص طائرة طبية تنقله إلى أي بلد في العالم للعلاج، لكن كان قد فات الأوان، حيث رحل بعد اكتشافه المرض بوقت بسيط في 13 مارس/آذار 1993 لينتهي مشوار حافل بالأعمال المهمة والشخصيات الصعبة التي تخصص في تقديمها.









