2021-05-19 - الأربعاء
jo24_banner
jo24_banner

المئوية الثانية للدولة، وضرورة الإصلاح والإعتماد على الذات.

نايف المصاروة
جو 24 :
 
بعد قيام الثورة العربية الكبرى،التي انطلقت رصاصتها الاولى من بطحاء مكة، لأهداف ومبادئ التحرير والوحدة والحرية، وزوال عهد الظلم والقهر والقمع الإتحادي عن البلاد العربية، وما كان للأردنيين من دور ومساهمة في تحرير الأردن وبلاد الشام.
وبعد أن وصل الأمير عبدالله الأول بن الحسين رحمه الله الى معان، وتمت مبايعته من قبل عشائر الأردن وقبائله،وأوكد هنا على أهمية العشائر الأردنية، في ترسيخ الدعائم الأولى للدولة الأردنية ، واستمرار المحافظة عليها والدفاع عنها،كما أشير إلى أن نهج الإصلاح الحقيقي والتحديث المستمر، هو نهج النبيين والمرسلين عليهم السلام أجمعين.
كما أشير أيضا إلى أن أحرار الأردن الذين بايعوا الملك المؤسس عبدالله الاول رحمه الله، كان معهم بعض أحرار العرب من فلسطين وسوريا والعراق،في إشارة الى أهمية الوحدة والتحرر والاستقلال والبناء.
كما اشير أيضا إلى نقض العهود من قبل فرنسا وبريطانيا في ذلك الزمان وغيرهم ، ونجاح المستعمرين الفرنسيين في القضاء على الحكومة العربية في دمشق بزعامة الملك فيصل بن الحسين بن علي رحمه الله، ونهج نقض العهود، نهج مستحكم وباقي ولو أظهر اهله اليوم الود بكل مسميات الصداقة.

بتاريخ 11-4-1921 تم الإعلان رسميا عت تأسيس الإمارة وشكلت أول حكومة برئاسة رشيد طليع أحد مؤسسي حزب الإستقلال، وكان يُطلق عليها إسم حكومة المشرق العربي تجسيداً لنبض أهالي شرقي الأردن العروبي الوحدوي.

أشير هنا إلى اهمية الوعي الوطني القائم على ثوابث الاسلام، للتحرر والانعتاق، إذ أن أبرز أهداف حزب الإستقلال آنذاك، كان التعاون مع الوطنيين الأردنيين لتحويل الإمارة الى قاعدة لتحرير سوريا من الإستعمار الفرنسي لتكون نواة لدولة عربية كبرى تشمل الأقطار الشامية كلها (سوريا ولبنان والأردن وفلسطين ) ،وتمتد الى كل الاقطار، كما كان من أهداف حزب الاستقلال رفض المخططات الصهيونية لسلب فلسطين والتصدًّي للنفوذ البريطاني في الإمارة.

بمعنى أن الوعي السياسي والقومي والاسلامي، هي ثلاثية اليقظة والنضوج الفكري، لتحقيق الأهداف والتطلعات التي قامت عليها الثورة العربية الكبرى، وستبقى مشاعل نور وهداية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

هذه اليقظة التي ينبذها اليوم كل الأعداء، كما نبذها من قبل أسلافهم المستعمرون الفرنسيون في سوريا، والإنجليز الذين كانوا يتحكـَّـمون بالاردن في ذلك الوقت بموجب ما سُمًّي "بصك الانتداب" الذي أصدرته عصبة الأمم وأوكلت الى الإنجليز بموجبه تصريف الأمور في شرقي الأردن.

رغم كل الصعوبات التي رافقت بدايات التأسيس ، إلا أن مراحل البنيان تتابعت ولم يوقفها مستحيل، رغم كثرة وتعدد العقبات ، وكان من اهم واول مراحل التأسيس، تشكيل نواة بعض وحدات الجيش العربي، ثم إقرار القانون الاساسي ثم تأسيس البنية التحتية في قطاع التعليم والصحة وغيرها.

وبعد ذلك بسنوات كان عهد الاستقلال ومرحلة التأسيس الدستوري، وما رافقها من صعوبات ومثبطات ومنغصات أيضاً تجلت بالنزاع العربي الاسرائيلي القديم والذي يتجدد، ولأن الاحرار لا يهادنون ولا يفاوضون على الحقوق، ولا يستسلمون للمثبطات، كان إغتيال الملك المؤسس عبدالله الاول رحمه الله ، على بوابة المسجد الأقصى، لنعلم جيدا أن أعداء الامس، هم انفسهم أعداء اليوم، ولكنهم أكثر عددا وأكبر قوة، ولكن لنعلم أيضاً أن أصحاب الحق ودعاة الحرية، ومن يحملون مشاعل التحرير والإنعتاق لا يضيرهم كل ذلك، لأن شعارهم دائما إما النصر أو الشهادة.

وبعد أن تسلم الملك طلال رحمه الله عهد المملكة ، واستمر أهل العزم في مسيرة البناء والتأسيس ،وتم إقرار الدستور الأردني، ولكن ذلك العهد لم يلبث طويلا، ومن ثم نودي بالملك الحسين رحمه الله، ليكون ملكا على البلاد، فكان عهد البناء والإنجاز الذي نستظل به اليوم، فتحقق المزيد من البناء والتنمية، وتم تعريب قيادة الجيش، كما تم تطوير وتحديث وحداته وتشكيلاته، وما كان للجيش من دور في الحروب في فلسطين وحتى الكرامة، بالإضافة الى تطوير اجهزة الأمن التي كان لها الدور الرائد في تحقيق وحفظ النظام والأمن الوطني ، كما تألقت الادارة وحققت قطاعات التعليم والصحة والنقل والاتصالات وغيرها نقلات نوعية على مستوى المنطقة والعالم، وبقي الحسين رحمه الله ومعه كل الشرفاء والاحرار من الأردنيين، يعملون من أجل رفعة الأردن وعلو شأنه حتى غدا شامة بين الأمم، لا ينكر ذلك إلا جاهل او حاقد.

في ذلك العهد لم نكن نملك النفط او الغاز او مناجم الذهب، ورغم امتلاكنا لبعض الثروات الطبيعية التي تم استغلالها لتكون رافدا من روافد الاقتصاد الوطني، لكن بالإضافة الى ذلك وهو العامل المهم، كنا نمتلك الحس الوطني العالي والعزم الذي لا يلين، والإصرار والتحدي لتحقيق النجاح، وكان لنا ذلك بفضل الله سبحانه.

"نعنقر" بلبس الفوتيك العسكري ونتغنى بحب الوطن والجيش، كان الاردن كله أمن وجيش ، ولذلك غرس في أعماق القلوب حب الوطن وحب العمل لأجله.

من يستعرض مسيرة الدولة الأردنية في مئويتها الأولى،يجد إنها كانت تخلو من التكنولوجيا المتقدمة، وتقنيات الإتصال كما هي عليه اليوم، وليدرك تماما حجم التضحيات الحقيقية، التي شيدت تلك الإنجازات التي نراها شاهدة إلى اليوم.

ونحن نحتفل بالولوج إلى المئوية الثانية من عمر الدولة الأردنية، أقول .. رحم الله كل الأحرار الذين شيدوا وبنوا وما انتظروا عطاءا ولا تكريما، ورحم الله الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم ودمائهم، وارتقوا دفاعا عن الوطن والحق والكرامة وصونا لكل المنجزات.

واقول أيضا.. . ونحن نعيش عهد التكتولوجيا وكل التقنيات، وسباق الصناعات، فإن ذلك يتطلب المزيد من بذل الجهود التعزيز المنجزات وإعلاء البنيان، والتميز في كل الاتجاهات، سابقا سبقنا سنغافوره في عضوية هيئة الامم المتحدة، بل وساهمنا في دعمها لعضويتها، واليوم نتغنى بإنجازاتها، فما الذي يمنعنا أن نكون مثلها، او نتجاوزها.. حتى إلى عصر الفضاء؟

ونظرا لوجود وظهور الكثير من المتغيرات والتحديات ، التي طرأت بفعل الكثير من التحالفات الإقليمية والدولية، فمن كان ضعيفا بالأمس، أصبح أقوى ، ومن كان جاهلا او فقيرا بالأمس، اصبح متعلما وربما أغنى ، مما يحتم على الجميع أيضا العمل بروح الجسد الواحد ، لنعود الى واقع الإعتماد على الذات، كما كان الآباء والأجداد، وأن يضع كل منا على عاتقه ونصب عينيه، أمانة ومسؤولية حفظ الوطن الذي تسلمناه بخير، فواجبنا أن نحميه ونحفظه وندافع عن كل المنجزات ، لنسلمها للأجيال القادمة كما تسلمناها .

ختاما اقول... إن تسارع وتيرة الأحداث والتحالفات والاصطفافات الدولية والإقليمية، وتعدد الأزمات التي مر او يمر بها الأردن، كشفت عن مجموعة من الحقائق المهمة، والتي تستوجب المعالجة وبشكل عاجل من كل المعنيين، وخاصة" اهل القرار الأول "،وما يستدعي من ضرورة المراجعة الشاملة لكل السياسات، في الشأن السياسي والاقتصادي والإداري والتشريعي ، كما تتطلب مراجعة لإدارة شؤون البلاد، من نواحي النهج القائم لتشكيل الحكومات وتعديلاتها، وآليات اختيار الوزراء وكبار الموظفين، وأوكد على ضرورة مهمة، بأن لا يولى شأن العامة إلا الثقات من اهل الإخلاص والتقوى، ولا مكان مجددا لمرتجف أو ضعيف أو طالب شهرة أو صاحب هوى.

كما أؤكد أيضا على ضرورة إستعجال إطلاق عمليات إصلاح حقيقي وواسع، يكون أول دعائمه ترسيخ مفهوم الإعتماد على الذات، والكف عن الإقتراض وقبول المنح والهبات، فنحن في زمان من يمد يده لا يحق له أن يمد رجله.
نريد إصلاحا حقيقيا يشمل كل ما كان بالأمس وإلى اليوم ،إصلاح يتغلغل في كل المفاصل والفواصل، يلمسه الشاهد والغائب، "فإن الماء إذا جرى طاب، وإن لم يجر خبث ولم يطب".
وأكرر.. على ضرورة استعجال إجراء إصلاحات حقيقة، تكون أولى ثمارها، إعادة نسج وبناء الثقة بين المواطن والمسؤول، ولا أقول ترميمها لأن كثرة الخيبات لم تبقي لها أثرا ، نهج ثقة حقيقية تعيد للدولة ألقها وتميزها، كما تعيد لبعض المؤسسات هيبتها، ولكل أهل القرار مصداقيتهم.
ومنا هنا اجدد ايضا.. واكرى بأني أضع نفسي جنديا، بلا أي مسمى أو مقابل لخدمة وطني وبلادي، كما أعلن عن قرب الإنتهاء من كتابي "الجيش والثورة- القوات المسلحة الأردنية - منذ النشأة والتكوين إلى ذروة التمكين"، والذي ارجوا الله ان يوفقني الى الإنتهاء منه في ذكرى الاستقلال القادم بعون الله.

كل عام وكل حين وآن، وأردننا الأغلى والأبهى، أرضا وشعبا وقيادة بكل الخير والأمن والسلام.
تابعو الأردن 24 على google news