يلتزم الصحفيون في العالم كله بقاعدة أساسية وهي عدم تولي الصحفي قضية ذات صلة مباشرة بمصالحه الخاصة، وذلك حرصا على النزاهة المهنية، ورغم ذلك فإن أي صحفي يبقى متورطا في القضايا التي يتناولها في أعماله بصفته الإنسانية، ما دام يدافع عن القيم العليا، وينقل الحقيقة، ويمنح الصوت لمن لا صوت له.

وتلعب المصادفات الدرامية دورها حين يكلف أحد الصحفيين بقضية يتعرض خلالها أحد الأشخاص لظلم واضح، ويكون هو نفسه قد ذاق مرارته من قبل؛ هنا تصبح القضية شخصية تماما، ويصبح رفع الظلم وكشفه حتى يتاح لمن يستطيع رفعه واجبا مهنيا وشخصيا أيضا.

 
allowfullscreen="true" id="youtube-player-0" title="The Snow Girl | Official Trailer | Netflix">

رواية في مسلسل

يطرح المسلسل الإسباني "فتاة الثلج " (The Snow Girl) -الذي يعرض حاليا على منصة "نتفليكس"- هذه المفارقة بشكل حاد، حيث تبدأ طالبة الصحافة ميرين (ميلينا سميت) تدريبها في إحدى الصحف المحلية، ويتزامن ذلك مع اختطاف الطفلة "أمايا ألفارو" التي لم تتجاوز 4 أعوام من أبويها في أحد الاحتفالات الشعبية، وتحصل الصحفية المتدربة على فرصة الانضمام لفريق تغطية الحادث بعد ممانعة أولى من رئيس التحرير.

تتبع الصحفية المتدربة حدسها الذي وُلد عبر كارثة تعرضها للانتهاك من قبل مجموعة من المعتدين وتصويرها.

ينسى الكل القضية باستثناء الصحفية والوالدان، إلى أن يبعث الخاطف المجهول شريط فيديو للطفلة بعد أن كبرت للصحفية مع توصية بتوصيله لوالديها. وبينما تعجز الشرطة عن الوصول للخاطف تصل إليه الصحفية وتواجهه.

والدة الطفلة المخطوفة تعمل طبيبة نسائية، لم تنجح في علاج إحدى مريضاتها من العقم، فاختطفت المريضة الطفلة لتكون ابنة لها، وأخفتها عن العيون 10 أعوام. هي امرأة مهووسة، قتلت كل من رأى الفتاة كي لا ينكشف أمرها.

 

المسلسل مقتبس عن رواية بالاسم نفسه للكاتب الإسباني الشهير خافيير كاستيللو، ونشرت بالإسبانية عام 2019، وترجمت ونشرت بالإنجليزية عام 2021. ولقيت الرواية التي تنتمي لنوع الإثارة ثناء نقديا كبيرا بسبب الحبكة المعقدة والقدرة المدهشة على استخدام التشويق بمهارة.

والتزم صناع العمل بالصيغة السردية للرواية بإخلاص مبالغ فيه للدرجة التي يمكن معها القول إنهم نقلوا الكلمات المكتوبة إلى صور متحركة.

واستخدم خافيير كاستللو أسلوبا سرديا اعتمد خلاله على العودة بالزمن إلى نقطة بداية القصة في كل مرة يريد خلالها أن يقدم شخصية جديدة ذات علاقة بالقصة، وهو ما فعله صناع المسلسل؛ فأصبح مشهد اختطاف الطفلة محطة رئيسية لانطلاق حافلة السرد مع كل شخص يظهر في المشهد.

المهنة والقضية

قدمت ميلينا سميت شخصية "ميرين" الصحفية في مرحلتي التدريب والاحتراف بشكل واع تماما، وجسدت بثقة عملية التحول من الضعف والمهانة اللذين يظهران عبر مشاهد "الفلاش باك" (الرجوع) التي تستدعيها ذاكرتها في لحظات الاعتداء عليها إلى إرادة حديدية للعثور على الطفلة التي مرت على خطفها 10 أعوام.

كانت الشابة تتحرك قدما نحو الكشف الكامل عن خاطفي الطفلة، وكلما تقدمت خطوة في طريق البحث عن خاطفي "أمايا"، تقدمت خطوتين في طريق البحث عن الذين اعتدوا عليها. قدم المسلسل سباقا طموحا لرفع الغطاء عن مجرمين في قضيتين لا تربط بينهما صحفية شابة فقط، بل يربط بينهما إيقاع ذهني وعاطفي يدفع مشاعر المشاهد إلى ذروتها.

 

في الصحيفة الإسبانية المحلية يعامل رئيس التحرير زملاءه ومرؤوسيه بدماثة وود، لكنه يصبح حاسما حين يتطلب الأمر ذلك، ويتحول إلى حائط صد منيع حين تقترب منهم التهديدات، وبدا ذلك واضحا حين تصدى للرد على صحفيين وإعلاميين أرادوا متابعة اتهام ميرين في قتل وإحراق اثنين من المجرمين الذين شاركوا في تنفيذ وتسويق شرائط الاعتداء عليها.

الصحفية الشابة هنا لم تقم بدورها كمراقب للأحداث، بل قامت بدور فاعل وطرف في القضية، وتجاوزت دورها مرتين: الأولى حين حكمت ونفذت حكم الإعدام على المجرمين بإحراقهما، والثانية حين قامت بدور الشرطة وخاطرت بنفسها وواجهت الخاطفة لتسترد الطفلة المخطوفة. لكنه المجاز الإبداعي الذي دفع الصحفي إلى منصة القاضي والجلاد وضابط الشرطة تعبيرا عن سقوط أنساق القانون والعدالة في أيد غير أمينة.

allowfullscreen="true" id="youtube-player-1" title="The Snow Girl / La Chica De Nieve Season 1 - Ending Scene | Miren & Eduardo | Milena Smit | Netflix">