"من لا يقرأ يعيش حياة واحدة حتى لو اجتاز السبعين، أما من يقرأ يعيش 5000 آلاف عام، القراءة أبدية أزلية"، تختصر هذه المقولة الجميلة للكاتب الإيطالي أمبرتو إكو القيمة الحقيقية للقراءة كمعين خصب نابض بالخيال والأفكار والمجازات، وكوكب خاص تستحيل فيه الكلمات والفواصل والقوافي والقصص حيوات جديدة مسكونة بالإبداع، ومسكوبة في المعرفة الموسوعية والتجارب الإنسانية التراكمية الثرية.
ولأن القراءة هي الوجه الآخر لعملة الكتابة النادرة، تبدو ملهمة ومحفّزة ومحرضة للكاتب ودافعه لتجاوز الإرث الأدبي الإنساني حتى يخلق مخيلته المتفردة الخاصة، ويحافظ على أسلوبه في الطيران بين أسراب الأجنحة الكثيرة.
ونحن نودّع سنة ونستقبل أخرى يُطرح سؤال عن أجمل الكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة الكتاب والمبدعين، بعد عام من القراءة والبحث والتنقيب والكتابة، وتظل أبواب المعرفة والسؤال مشرعة بحثا عن إجابات طريفة، وحصاد أدبي وثقافي متميز، عن أجمل الكتب والقراءات التي بقيت عالقة في ذهن نخبة من الكتاب والمبدعين العرب في 2023، فضلا عن فعل القراءة وأثرها السحري في المبدع والإنسان عموما. فإلى الاستطلاع:
الكاتب لا شيء دون قراءاته
أشار الكاتب التونسي سفيان رجب أنه في سنة 2023 قرأ كثيرا من الكتب، بعضها للمرة الأولى؛ مثل: روايات الكاتبة البولونية أولغا توكارتشوك، التي شدّته روايتها المتميزة "كتب يعقوب"، وثمّة كتب أخرى أعاد قراءتها وأعاد اكتشافها؛ مثل: رواية "ملحمة الحرافيش" لنجيب محفوظ، وروايات الكاتب الإنجليزي كونراد، وروايات الكاتب الروسي ميخائيل بولغاكوف.
وأضاف قائلا "في هذه السنة قرأت كتبا أخرى في الشعر والفكر، لعل أهمها: كتاب "أطياف ماركس" لجاك دريدا، وهو كتاب ذكي وفيه إشراقات فكرية وفلسفية حارقة، وأشعار بسام حجّار التي عدتُ إليها من خلال أعماله الكاملة. قرأت كذلك كتاب سيوران الخطير "رسالة في التحلّل" بترجمة الشاعر التونسي آدم فتحي، وكتبا كثيرة أخرى بقيت أنوارُها في الذهن."
وأوضح أنه يشعر أنه عاش أكثر من 100 سنة في السنة التي انقضت، وذلك من مِنَح القراءة وهداياها الكثيرة.
وشدد صاحب رواية "قارئة نهج الدباغين" الواصلة أخيرا للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، على أن طبيعة عمله كونه كاتبا تجعل القراءة تمثّل له النبع النابض للأفكار؛ لأنها ملهمة ومحفّزة للكاتب، ودافعه لتجاوز نفسه وتجاوز الإرث الأدبي الإنساني.
ويرى أن القراءة والكتابة هما الميزان الذي يقوم عليه النص الأدبي، ودونه يختلّ ويفقد قوّته وسلطته المعرفيّة، وهي مثل النحلة التي تقتات من الأزهار لتصنع عسلها، أو مثل الطائر الذي يبني عشّه من قشّ الحقل الذي يعيش فيه.
وذكر مقولة الشاعر الفرنسي فيرلان، "الذئب خراف مهضومة"، مشيرا إلى أن الإبداع هو قراءات مهضومة، ومفهوم التّناص الذي فهمه كثير من الكتّاب خطأ يعني هذه الجملة التي كتبها فيرلان.
وخلص سفيان رجب الى أن الكاتب لا شيء دون قراءاته، بشرط أن يمتلك ذهنا هضميّا بالأساس حتى لا يسقط في الانتحال والنقل، وأن تكون له مخيّلة واسعة حتى يحافظ على أسلوبه في الطيران بين أسراب الأجنحة الكثيرة.
من لا يقرأ يعش حياة واحدة
من جانبها عدّت الكاتبة السورية دعد ديب أن رواية "نار الله" للألماني إلياس كانيتي التي ترجمها كاميران حوج حديثا إلى العربية، من أكثر الكتب التي تركت أثرا في نفسها في 2023، نظرا لعلاقتها بجوهر القراءة الحقيقي في ارتباطه بالحياة والواقع.
وأضافت قائلة في حديثها للجزيرة نت "لقد جسّد كانيتي في هذه الرواية تقديس وعشق بطله المرضي للكتب بطريقة دونكيشوتية، جعلته منعزلا عن النبض الحي للحياة الحقيقية، فهو يقيم حوارات مع مؤلفيها في ذهنه ويختلف ويتفق معهم ضمن حالة ذهانية خاصة وكل ما عدا ذلك لا أهمية له، وبالمقابل هناك القاع الاجتماعي البعيد عن الثقافة وعالم القراءة مما يهيئ مناخا لفقدان لغة التواصل في المجتمع والعجز عن التفاهم عبر أسلوب كانيتي المميز في جعل شخوصه تتحدث بمنطقها وفهمها الخاص، وغير المدرك من الآخر."
وأوضحت أن النص ينتهي بالحريق بدلالته الرمزية وهو الكارثة التي تحيق بالجميع وأولها الكتب بإشارة مضمرة إلى اقتراب النازية، وآثارها المحتملة والحرب العالمية الثانية التي دقت طبولها بعد 4 سنوات من كتابة الرواية مما جعلها أشبه بنبوءة لخراب قادم من خلال انتقاد الياس كانيتي لمجتمع القاع ومجتمع المثقفين معا، وانفصال أفراده عن الواقع وعدم وجود لغة مشتركة، وقد رآه بعض النقاد رؤية تحذيرية من الأنظمة الشمولية كذلك.
وتحدثت عن أهمية فعل القراءة وتأثيرها عليها، واستشهدت بمقولة المفكر الإيطالي أمبرتو إكو "من لا يقرأ يعيش حياة واحدة حتى لو اجتاز السبعين، أما من يقرأ يعيش 5000 آلاف عام، القراءة أبدية أزلية"، ولكنها تساءلت في الوقت نفسه عن أي نوع من القراءة تلك التي تمدّ بأعمارنا وتخلق عوالم وحيوات متعددة؟
وشددت ديب على أن عالم القراءة معين خصب يثري مخيلة الكاتب ويعزز إمكاناته؛ لأنه لا كتابة تأتي من عدم، ولا يوجد نص أصيل بالمطلق وفق الفيلسوف الفرنسي رولان بارت الذي يقول "كل شيء داخل النص"، بمعنى أن كل كتابة تختزن في داخلها جذور ما استقاه الكاتب من اطلاعات سابقة، وما تمثله من ثقافات تراكمت في وعيه ووجدانه.
وأضافت أن تأثير القراءة يمتد كذلك لأي قارئ عادي لا يمتهن الكتابة؛ لأنها تغني خياله وتطور ذائقته وتوسع مدارات تفكيره وتنعش حواسه بإطلاله على عوالم وتجارب أناس يشبهونه في مواقف وحالات، وآخرين يختلفون عنه مما يجعله يعرف الآخر المختلف عنه ويفهمه ويقبله بآن واحد، إذ أن غالبية أشكال العداء بين البشر مردها إلى الجهل بالآخر ونمط حياته وأسلوب تفكيره.
القراءة هي الوجه الآخر للكتابة
بدوره نبّه الكاتب المغربي مصطفى لغتيري إلى أنه رغم الزاد الكبير الذي يمتلكه الكاتب، والمتمثل أساسا في عدد الكتب التي اطلع ويطلع عليها؛ لأن القراءة تعدّ في رأيه الوجه الآخر لعملة الكتابة، فإن الكاتب مضطر إلى تجديد هذا الزاد، وتنميته، حتى يظل قادرا على العطاء باستمرار.
وأضاف أن شهية الكاتب للقراءة تظل مفتوحة بشكل كبير ومتواصل، حتى إنه لا يكتفي بقراءة ما استجد من إصدارات، بل قد يعود إلى قراءة كتب بعينها، بعد مرور فترة معينة على قراءتها، فيكتشف فيها أبعادا جديدة، قد لا يكون قد انتبه إليها في قراءته السابقة لها، وربما تفتح له أفقا آخر في مجال الكتابة، لم يخطر له على بال من قبل.
وتابع قائلا "هذه السنة حاولت العودة للأدب الروسي الكلاسيكي، متمثلا بالخصوص في الكاتب ليو تولستوي، ودويستفسكي، فبعد إعادة قراءة "أنا كرنينا"، ربطت الصلة من جديد برواية "الجريمة والعقاب" لدويسفسكي، هذه الرواية التي أبهرتني مرة أخرى بالقدرة الكبيرة لهذا الكاتب على التعمق في نفسية الشخصية وكشف ميولاتها، وتقديم نظرية تكاد تكون علمية عن النفس البشرية، التي يقف المرء أمامها حائرا، وكأني بالكاتب قد اختزل في رواية واحدة ما كتبه علماء النفس في مصنفات علمية ضخمة، كل ذلك يقدمه بطريقة سلسة، بعيدا عن المباشرة والخطابية."
