هآرتس: ترامب يركز على تغيير النظام في إيران، ويفكّر جديّا بشنّ هجمات
جو 24 :
ترجمة - هآرتس *
من الصعب، بل من المستحيل تقريباً، التنبؤ مسبقاً بمدى نجاح احتجاج شعبي. فلا يوجد جهاز استخباراتي، ولا خوارزمية، قادران على استشراف كيفية تصرُّف جمهور مدني واسع، حين يندلع من الأسفل ما يشبه محاولة انقلاب، وفي الوقت عينه، من المعروف أن سلطة لا تتورع عن استخدام عنف شديد وفتاك، كجزء من جهودها للبقاء. تبدو موجة الاحتجاج الحالية في إيران التهديد الأخطر الذي واجهته الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها في سنة 1979، لكن من المبكر بعض الشيء الجزم بأن حاجز الخوف لدى الجمهور انكسر.
يمكن تقدير قوة الاحتجاج وفرصه من خلال مؤشرات عديدة: عدد المشاركين في التظاهرات، نطاقها الجغرافي، مشاركة شرائح اجتماعية متنوعة، والاستعداد للمساس برموز السلطة، لكن الأصعب تقدير نقطة الانكسار لدى النظام، ومَن الطرف الذي سيضعف أولاً: القيادة، أم الشارع. ويزداد الغموض بسبب قرار النظام، الذي يعكس حجم مخاوفه، بشأن قطع إيران شبه الكامل عن شبكة الإنترنت. هذه الخطوة تعيق جهود تنسيق الاحتجاجات، وتعرقل نشرَ توثيقٍ موثوقٍ للاشتباكات. وفي هذا الفراغ، تنتشر مقاطع فيديو مزيفة، أو أُعيدَ تدويرها من فترات سابقة.
حتى نهاية الأسبوع، كان يُقال إن حجم الاحتجاجات لا يصل إلى مستوى الموجات السابقة - احتجاجات الحجاب في سنة 2022، وبصورة خاصة "الثورة الخضراء"” التي اندلعت في سنة 2009، على خلفية اتهامات بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية، لكن خلال اليومين الأخيرين، بات الحديث يدور حول مئات الآلاف من المشاركين في الاحتجاجات، مع تقارير غير مؤكدة بشأن مئات القتلى بنيران قوات الأمن في طهران ومدن أُخرى. هناك عنصران حاسمان ربما يؤثران في النتيجة النهائية؛ الأول يتعلق بردة فعل المجتمع الدولي، ولا سيما الإدارة الأميركية؛ والثاني له علاقة بدرجة الحزم التي ستبديها قوات الأمن الإيرانية في قمع التظاهرات. في سنة 2009، تردّد باراك أوباما، الذي كان في بداية ولايته الرئاسية، في دعم الاحتجاجات في إيران بتصريحات حازمة، ومن المؤكد أنه امتنع من اتخاذ خطوات عملية؛ في سنة 2026، يتصرف دونالد ترامب بطريقة مختلفة تماماً؛ فهو لم يكتفِ بدعم المتظاهرين ومهاجمة النظام، بل حذّر من التدخل الأميركي العنيف في حال قُتل عدد كبير من المتظاهرين، من دون أن يحدد أرقاماً.
هذه النقطة الحاسمة ستنعكس على فرص نجاح الاحتجاجات، لكن لا يقلّ أهميةً عنها طريقة تصرّف قوات الأمن. ففي سنة 2011، ومع بدايات أحداث الربيع العربي، سقط نظام الرئيس حسني مبارك في مصر. وجاءت نقطة التحول عندما رفضت قوات الأمن المصرية تنفيذ أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين الذين احتشدوا بأعداد هائلة في محيط ميدان التحرير في القاهرة؛ أمّا في جولات الاحتجاج السابقة في إيران، فسمحت السلطات لقوات الأمن الداخلي، بما فيها ميليشيات الباسيج، بإطلاق النار على المتظاهرين، لكن بشكل انتقائي في أغلب الأحيان، إلى جانب الاعتقالات والتحقيقات والتعذيب الوحشي. هذه المرة، إذا استمر الاحتجاج في التصاعد، فربما نشهد حمّام دم حقيقياً، عندها سيكون السؤال: كم عدد أفراد قوات الأمن الذين سيضعون السلاح جانباً ويقررون عدم المشاركة في المجزرة. وحسبما ذُكر، فإن القتل الجماعي للمتظاهرين يمكن أن يورّط النظام في مواجهة مباشرة مع ترامب.
الاستخبارات، مثلما ذكرنا، لم تحصل بعد على صورة كاملة ودقيقة، لكن مساء أمس وصباح اليوم (الأحد)، ساد إسرائيل تقدير أن أعداد القتلى بنيران السلطات خلال الاحتجاجات آخذة في الارتفاع في الأيام الأخيرة، كذلك ترى إسرائيل أن ترامب يدرس بجدية توجيه ضربات إلى مواقع مرتبطة بالنظام، بهدف تسريع حدوث انقلاب. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن الرئيس لم يتخذ قراراً نهائياً بعد، لكنه يدرس الأمر بجدية، وتلقّى في الأيام الأخيرة إحاطات بشأن خيارات الهجوم.
وفقاً للاستخبارات الإسرائيلية، بات ضُعف قبضة النظام على الحكم ظاهراً منذ فترة، فعلى الرغم من أن "احتجاجات الحجاب" قُمعت بالقوة، فإن السلطات اضطرت إلى تقديم تنازلات، ومؤخراً، خففت تطبيق قواعد اللباس الصارمة على النساء بشكل ملحوظ، وخصوصاً في المدن الكبرى. لكن الأزمة الاقتصادية في البلد طويلة وعميقة، وتنعكس على حياة الإيرانيين اليومية، فضلاً عن أن الحكومة تفشل في التعامل مع مشكلات بنيوية واسعة، تعيق توفير المياه والكهرباء بشكل منتظم. يُضاف إلى ذلك المواجهة مع ترامب بشأن البرنامج النووي، والهجوم الإسرائيلي (ثم الأميركي) الواسع على المواقع النووية والصواريخ خلال الحرب في حزيران/يونيو الماضي.
حتى الآن، رفض المرشد الأعلى علي الخامنئي تقديم تنازلات، أو البحث في اتفاق نووي جديد مع الولايات المتحدة، تسعى واشنطن من خلاله لفرض قيود بعيدة المدى على تخصيب اليورانيوم داخل إيران، وربما يدفعه الضغط الداخلي إلى إعادة النظر في موقفه (من دون أن تظهر مؤشرات تدل على ذلك حتى الآن)، وربما تخفيف الضغط الاقتصادي عن بلده. لكن حينها، ستبرز أسئلة أُخرى: هل ستكتفي الولايات المتحدة بذلك في ظل تشكُّل فرصة لتغيير النظام؟ وهل سيكون التحسن الجزئي في الوضع الاقتصادي كافياً بالنسبة إلى الجمهور الإيراني؟
التركيز الأميركي على تغيير النظام يغيّر أيضاً جدول الأعمال الإسرائيلي
حتى الأيام الأخيرة، حرصت أوساط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على بثّ رسائل بشأن احتمال تنفيذ ضربة إسرائيلية إضافية، ربما ضد مواقع إنتاج الصواريخ في إيران خلال الأشهر المقبلة، كذلك طُرح الحديث بشأن ضربة مبكرة ضد حزب الله في لبنان؛ الآن، بات ترتيب الأولويات لدى إدارة ترامب واضحاً: تغيير النظام في إيران أولاً، وكل ما يمكن أن يعرقل ذلك سيتم تجميده.
ومن المرجّح أن يُطلب من إسرائيل التصرف وفق هذا التوجه، سواء في إيران، أو ربما في لبنان أيضاً (مع استمرار الضربات المحدودة والمركّزة ضد حزب الله، كالمعتاد)، وينطبق هذا أيضاً على التصريحات المتعلقة بالدور الإسرائيلي في الاحتجاجات. فرضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، يحاول الدخول إلى الفراغ القائم وركوب موجة الاحتجاج، لكن من الأفضل أن يتجنب وزراء إسرائيليون الظهور في مركز المشهد من خلال تقديم نصائح غير ضرورية، أو محاولات نسبِ الفضل لأنفسهم بشأن ما يحدث في طهران، وإلى حد كبير، لا توجد صلة مباشرة لِما يحدث بإسرائيل.
* عاموس هرئيل








