مرحلة ترامب الثانية في غزة: نزع السلاح أولًا… أم تفكيك القضية؟
جو 24 :
بقلم: زياد فرحان المجالي
هناك لحظة في الحروب يصبح فيها الخطاب السياسي أخطر من القصف نفسه… لأن القصف يدمّر الحجر، لكن الخطاب قد يدمّر المعنى ويعيد هندسة الواقع على مقاس الأقوياء. وما أعلنته واشنطن أخيرًا عن "المرحلة الثانية” من خطة ترامب في غزة ليس تفصيلًا إداريًا، ولا مجرد انتقال تقني بين بندين في اتفاق؛ بل هو محاولة لكتابة "اليوم التالي” للقطاع وفق معادلة صريحة: وقف إطلاق النار لا يكفي، والإعمار لا يبدأ، والشرعية لا تُمنح… قبل تفكيك سلاح غزة وتجريد المقاومة من قلبها.
الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف أعلن أن المرحلة الثانية تتضمن الانتقال "من وقف إطلاق النار إلى التجريد من السلاح وتشكيل إدارة فلسطينية تكنوقراطية وإطلاق مسار إعادة الإعمار”، مع إنشاء لجنة تحمل اسم "اللجنة الوطنية لإدارة غزة” (NCAG)، كهيئة انتقالية تكنوقراطية لإدارة القطاع.
قد يبدو العنوان "إداريًا” في ظاهره، لكن جوهره سياسي–أمني بامتياز، لأن واشنطن لا تعلن برنامج خدمات… بل تعلن هندسة جديدة للمشهد الفلسطيني، ومحاولة إعادة تعريف غزة لا كقضية تحرر، بل كملف إدارة.
نزع السلاح: الشرط الذي يسبق السياسة
في لغة واشنطن، "المرحلة الثانية” تعني الانتقال من الحرب إلى الدولة… لكن في الواقع تعني الانتقال من غزة المقاومة إلى غزة المُدارة. فحين تُعرَّف الخطة بعبارات مثل "تفكيك سلاح كل العناصر غير المصرّح لها”، فإن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه يصبح: من الذي يملك شرعية تعريف "المصرّح” و”غير المصرّح”؟
هنا تتحول قضية السلاح من مجرد بند تفاوضي إلى لبّ الصراع نفسه. لأن سلاح غزة ليس قطعة معدنية في خطاب الفلسطينيين؛ بل هو عنوان وجود ومواجهة. وهو في خطاب إسرائيل تهديد يجب اقتلاعه. وهو في خطاب واشنطن عقبة يجب إزالتها لإنجاح الصفقة.
وإذا كانت الولايات المتحدة تسوق نزع السلاح على أنه بوابة الاستقرار، فإن التجارب التاريخية في المنطقة تقول إن فرض نزع السلاح بلا شرعية فلسطينية وبلا أفق سياسي قد يكون وصفة لفتنة داخلية وانفجار جديد… لا طريقًا للسلام.
لجنة تكنوقراط… أم واجهة سياسية جديدة؟
الولايات المتحدة تتحدث عن "مؤسسة حكم فلسطينية انتقالية” بصيغة تكنوقراط. لكن الإشكال ليس في التكنوقراط… بل في سؤال القوة: من يحمي هذه اللجنة؟ ومن يفرض قراراتها؟
أي لجنة تُكلف بالخدمات (ماء، كهرباء، بلديات، مستشفيات) ستصطدم فورًا بما لا تقوله البيانات: من يسيطر على المعابر؟
من يقرر دخول الإسمنت؟
من يملك السماء والبحر؟
من يمنح الحركة للموظفين؟
ومن يمنع الاقتحامات؟
إذا بقي الاحتلال يتحكم بهذه المفاتيح، تصبح اللجنة في النهاية موظفًا كبيرًا بلا صلاحيات سيادية. وإذا بقيت قوة السلاح داخل غزة بيد حماس كأمر واقع، تصبح اللجنة أيضًا محكومة بسقف القوة الموجودة لا بسقف "النص الأميركي”.
وهنا تظهر الحقيقة المرّة: اللجنة إن لم تُحسم عقدة السلاح والقرار الأمني… ستبقى إدارة خدمات لا إدارة حكم.
دور مصر: ضمانة الحدود… وتوازن النار
مصر في هذه المرحلة ليست تفصيلًا ولا وسيطًا عابرًا. هي الدولة التي تملك بوابة رفح، وتملك خبرة طويلة في إدارة ملف غزة بين الحرب والهدنة، وتملك في الوقت نفسه حساسية أمنية قصوى تجاه سيناء وحدودها.
ولهذا تتعامل القاهرة مع معادلة شديدة الحساسية: منع التهجير، ضبط المعبر، تثبيت التهدئة، ومنع انفجار يُنقل إلى الداخل المصري.
والأهم أن مصر تريد تثبيت قاعدة سياسية واضحة: غزة والضفة وحدة واحدة، وأي محاولة لفصل غزة سياسيًا عن الضفة ليست "حلًا”، بل مدخل لتصفية القضية عبر التفكيك.
قطر: الممول والوسيط… والرهان الصعب
أما قطر فهي في قلب السيناريو، لأنها تمتلك موقعًا مزدوجًا: قناة سياسية باتجاه حماس، ومفتاحًا ماليًا محتملًا للإعمار، ودورًا تفاوضيًا في ملف الرهائن والتهدئة.
وإذا كانت واشنطن قد شكرت مصر وقطر وتركيا على جهود الوساطة، فإن ذلك لا يعني أن المهمة سهلة، بل يعني أن قطر ستكون في موضع حامل الرسائل وربما حامل العبء.
فإن نجح المسار، ستُقدَّم قطر دوليًا كطرف أنقذ "الحل”. وإن فشل، ستُحمَّل قطر سياسيًا وإعلاميًا فشل ضبط غزة. وهذا يعني أن قطر تُستخدم كصمام أمان سياسي ومالي في مشروع شديد الحساسية، قد ينجح في الخدمات لكنه يصطدم بالسيادة والشرعية.
الأردن والملك عبدالله الثاني: غزة ليست بعيدة
بالنسبة للأردن، غزة ليست بعيدة جغرافيًا ولا سياسيًا. غزة هي شرارة تنتقل إلى الضفة الغربية، ثم القدس، ثم إلى الداخل الأردني سياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا.
ومن هنا نفهم لماذا لا يتعامل جلالة الملك عبدالله الثاني مع غزة بوصفها ملفًا إنسانيًا فقط، بل كملف وجود للدولة الأردنية. لأن أي مشروع بلا أفق سياسي سيحوّل غزة إلى "قضية محاصرة”، ثم يحول الضفة إلى "قضية مضغوطة”، وفي لحظة ما تبدأ أخطر الملفات بالعودة إلى السطح: الحلول الإقليمية، الوطن البديل، والضغط الديموغرافي والسياسي.
الأردن ليس ضد الإعمار… بل ضد إعمار بلا سياسة. والملك يرى أن التهدئة مطلوبة، والمساعدات واجب، ووقف النار ضرورة… لكن لا يجوز أن تتحول هذه العناوين إلى إطار دائم يجعل الفلسطيني يعيش تحت "إعادة إعمار ممولة” لكن بلا سيادة، وبلا دولة، وبلا حق تقرير المصير.
الخلاصة: إدارة أم حل؟
ما تسميه واشنطن "المرحلة الثانية” قد يتحول إلى مفترق تاريخي: إذا تحولت اللجنة إلى إدارة خدمات تحت سقف الاحتلال، ستصبح واجهة لا دولة.
وإذا تحولت إلى مشروع نزع سلاح بالقوة بلا شرعية وطنية، فقد تشعل فتنة داخل غزة.
وإذا نجحت خدماتيًا دون حل سياسي، فستنجح مؤقتًا… لكنها لن تُنهي الصراع.
وهنا يجب أن تُقال الجملة بصراحة: غزة ليست ورشة إعمار فقط… غزة قضية تحرر ومعادلة سيادة. وأي مشروع لا يبدأ بإنهاء الاحتلال وفتح أفق الدولة الفلسطينية لن يكون حلًا، بل إدارة محسّنة للأزمة… إلى أن ينفجر الجرح من جديد.








