بني هاني يكتب عن اقتصاديات الزعرنة
جو 24 :
كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني -
قرأت مقالاً باللغة الإنجليزية، في صحيفة يومية، تصدر في مدينة المظاهر (أوستنشيا)، كان عنوانها غريباً بشكلٍ لافت (When Thuggery Becomes a Policy)، للكاتبين بيتر سوربلس (Peter Surplus)، وروبرت امبالانس (Robert Imbalance). وبعد عناء شديد ترجمتها بتصرف إلى العربية. فيقول كاتب المقال ليست الزعرنة مجرّد سلوك منفلت في الشارع، ولا ظاهرة اجتماعية يمكن اختزالها بمشهد عابر أو مقطع مُتداول بواسطة منصات التواصل الاجتماعي. فحين تتتحول الزعرنة إلى عقلية إدارة، تصبح نمطاً كاملاً لإنتاج الخسارة. وتأتي الخسارة على أشكال مُتعددة: خسارة في الثقة، وخسارة في الكفاءة، وخسارة في معنى الدولة نفسها. وهنا لا نواجه مشكلة أخلاقية فقط، بل خللاً بُنيوياً يضرب الاقتصاد والإدارة والاستقرار معاً.
لا تُكتب اقتصاديات الزعرنة في الموازنات، لكنها تظهر في التفاصيل الصغيرة التي يعرفها الناس جيداً، وتأتي على شكل معاملة تتأخر لأن صاحبها " ما له ظهر"، ومشروع يتعطّل لأن المسؤول لا يحب النقاش، وقرار يُتخذ فجأة ثم يُلغى فجأة، فقط لأن المزاج تغيّر أو الصوت الأعلى غلب. وهذه ليست فوضى عشوائية، بل نمط حكم يومي قائم على الغلبة لا النظام.
وحين تصل عقلية الزعران إلى موقع المسؤولية، يتغيّر معنى المنصب. لا يعود تكليفاً، بل استعراض قوة. فالمسؤول لا يُقاس بقدرته على الحل، بل بقدرته على الردع. ويتحوّل المكتب إلى ساحة هيبة، والقرار إلى اختبار " مين أقوى "، والجامعات إلى مراكز بلطجة وتجهيل، وفيها يكون المسؤولون من أصحاب الأسبقيات. وفي مثل هذه البيئة، لا مكان للهدوء ولا للتفكير الطويل، لأن التأنّي يُفسَّر ضعفاً، والحوار يُعدّ تراجعاً.
ويعرف الكثير من الناس، بخاصةٍ المُطلعين، هذا المشهد. فاجتماع يُفترض أن يُناقش ملفاً اقتصادياً أو خدمياً، يتحوّل إلى محاضرة صوتية، يُقاطع فيها المختص، ويُهمَّش صاحب الرأي، ويُمرَّر القرار لأن " الوقت لا يسمح ". وبعد أشهر، يفشل المشروع، لكن لا أحد يُحاسَب، لأن الفشل ذاب في الضجيج.
ومن الناحية الاقتصادية تكون هذه العقلية مدمّرة. فالمستثمر، الصغير قبل الكبير، لا يبحث فقط عن قوانين مكتوبة، بل عن سلوك إداري متوقّع. وحين يرى أن الموافقات تُمنح بسرعة لشخص، وتُعقَّد لآخر، وأن التعليمات تُفسَّر حسب القرب لا النص، فإنه ينسحب بهدوء. لا يكتب بياناً، ولا يحتج، بل يأخذ رأسماله وخبرته ويغادر.
وفي الإدارة العامة، تدفع الكفاءة الثمن أولًا. فالموظف الذي يعرف النظام ويصرّ على تطبيقه يصبح عبئاً، لأنه " يعقّد الأمور ". أما الذي يختصر الطريق على حساب القانون، فيُكافأ لأنه "يُمشي الشغل". وهكذا تُقلَب القيم داخل المؤسسة:، حيث يُعاقب الاجتهاد ، ويُكافأ التسيّب، ومع الوقت تتحوّل المؤسسة إلى جسم ثقيل، بطيء، ليس فيه روح المبادرة.
من نتائج اقتصاديات الزعرنة أيضاً تآكل التخطيط، حيث تُطلق المشاريع بلا دراسات كافية، لأن الإعلان عنها يُحقّق حضوراً سريعاً. وتُصرف الأموال ليُقال إن هناك إنجازاً، لا ليبقى الإنجاز. وبعد سنوات، تتكدّس مشاريع نصف منجزة، وخطط تغيّرت أكثر من مرة، ومواطن لا يعرف أين ذهبت الموارد ولا لماذا لم تتحسّن الخدمة.
أما من الناحية الاجتماعية، تنتقل العدوى. فحين يرى الناس أن الصراخ أنفع من الطلب الرسمي، وأن الواسطة أقوى من الإجراء، فإنهم يتكيّفون. والمواطن الهادئ يشعر أنه مغفّل، والملتزم يشعر أنه خاسر. وهكذا تتراجع الثقة العامة، ويحلّ محلها حذر جماعي، وصمت ثقيل، وتعايش سلبي مع الخلل.
لكن، ومع ذلك، فـ الزعرنة مهما بدت قوية، لا تصنع هيبة حقيقية. الهيبة التي تقوم على الخوف تحتاج دائماً إلى تصعيد، وإلى توتّر، وإلى خصوم دائمين. أما الهيبة التي تقوم على العدالة والكفاءة، فهي هادئة، لكنها ثابتة. والدولة القوية لا تحتاج أن ترفع صوتها في كل مرة، لأنها تعرف أن النظام يتكفّل بالباقي.
يُتابع الكاتب (Peter Surplus) بأن المسؤول الذي يحكم بعقلية الزعران قد يفرض الصمت، لكنه لا يبني احتراماً، وقد يمرّر قراراً، لكنه يدمّر مساراً. والفارق بين الإدارة والحكم، وبين المسؤولية والسيطرة، هو الفارق بين دولة تُدار بعقل، ودولة تُستنزف بالغريزة. واقتصاديات الزعرنة في جوهرها اقتصاد خسارة صافية: خسارة في المال العام، وخسارة في الكفاءات، وخسارة في العلاقة بين الدولة والمجتمع. والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، لا من باب التشهير بل من باب الحرص: هل نريد إدارة تُقاس بالصوت أم بالنتائج؟ وهل ندرك أن أخطر أشكال الفوضى هي تلك التي ترتدي بدلة رسمية وتوقّع باسم النظام؟
الزعرنة قد تظهر في الشارع، لكن مكانها الطبيعي هناك. أما حين تدخل الدولة، فإنها تُفرغها من معناها. والاختيار، في النهاية، ليس بين الشدّة واللين، بل بين قوة القانون وهشاشة الاستعراض








