2026-02-03 - الثلاثاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

شهادة في مهنية طياري سلاح الجو الملكي الأردني الذين التحقوا بالخطوط الجوية الملكية الأردنية

الكابتن اسامة شقمان
جو 24 :
 
ليس كل تاريخ يُستخرج من الأرشيف، ولا كل الذاكرة تُحفظ في الوثائق.
بعضها يعود إلينا بهدوء، عبر مقطع فيديو، أو اسمٍ يمرّ في الذهن كما تمرّ طائرة عبر سحابة خفيفة، دون ضجيج، لكن بأثرٍ لا يُنسى.
قبل أيام قليلة، تسلّمت مقطعًا من فيلم "نسور الأردن"، أرسله إليّ ابن الكابتن جاسر زياد. لم يكن ما وصلني مجرد مادة وثائقية تُضاف إلى سجل الذاكرة، بل نافذة مفتوحة على مرحلة مفصلية من تاريخ الطيران الأردني، مرحلة كان فيها الطيران امتحانًا يوميًا للمسؤولية، والانضباط، والدقة، والثقة التي لا تحتمل الخطأ أو التهاون.
أعاد الفيلم إلى الواجهة أسماءً كثيرة من روّاد الطيران العسكري الأردني، وكلها أسماء تستحق التقدير والاحترام. غير أن ما يقدّمه الفيلم هو الوثيقة البصرية، أما هذه السطور فتنتمي إلى مساحة أخرى:
مساحة الشهادة المهنية المكتوبة من داخل التجربة، ومن داخل قمرة القيادة، حيث تُختبر القيم لا بالشعارات، بل بالفعل، وبالقرار، وبالالتزام الصارم بالإجراء.
لا يدّعي هذا النص الإحاطة بكل الأسماء، ولا يسعى إلى كتابة تاريخ شامل أو نهائي، بل يقدّم شهادة عن رجالٍ عرفتهم عن قرب، طرت معهم، أو جمعتني بهم معرفة مهنية وإنسانية مباشرة. من بينهم:
كابتن نصري جميعان، كابتن جهاد أرشيد، كابتن جاسر زياد، كابتن جورج متّى، كابتن وصفي عماري، كابتن غازي الصمادي، كابتن عوني علاءالدين، كابتن راضي المومني، كابتن عوني ماهر، كابتن عصام ملحس، كابتن فرحان السعدي، كابتن يوسف أبو ديه، كابتن عبدالرحمن عبابنة، كابتن زيد طوقان، كابتن عادل الجندي.

التاريخ الوطني يُكتب بالأحداث الكبرى، وبالسنوات المفصلية، وبالعناوين العريضة. أما الذاكرة المهنية، فتُكتب بالتجربة اليومية، وبالتفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في الأفلام، لكنها تصنع الفارق الحقيقي داخل قمرة القيادة. هناك، تُقاس المهنية بالهدوء تحت الضغط، وبالقرار المتزن في اللحظة الحرجة، وبالالتزام الصارم بالإجراء حين يكون الارتجال أسهل وأكثر إغراءً.
الطيار الذي يتكوّن في مدرسة عسكرية لا يغادرها أبدًا. قد يخلع الزي العسكري، لكن المدرسة تبقى راسخة في داخله:
في طريقته في التفكير،
في احترامه المطلق للزمن،
في دقته في تنفيذ الإجراءات،
في انضباطه الشخصي والمهني،
وفي قدرته العالية على إدارة المخاطر والضغط دون انفعال.
وحين انتقل عدد من طياري سلاح الجو الملكي الأردني لاحقًا إلى الخطوط الجوية الملكية الأردنية، لم يكن ذلك انتقالًا وظيفيًا عاديًا، بل كان انتقالًا لمدرسة كاملة من القيم العسكرية إلى الطيران المدني. انتقلت معهم ثقافة السلامة، والانضباط، والعمل الجماعي، واحترام التسلسل، وتحمل المسؤولية الفردية عن القرار، في مرحلة كان فيها الطيران المدني الأردني في طور التشكّل وبناء هويته المهنية.
في الرحلات اليومية العادية، لا في اللحظات الاستثنائية، تتكشف حقيقة هذه المدرسة. داخل قمرة القيادة، كانت الخبرة تُمارَس لا تُروى، وكانت القيادة هادئة، والحوار مهنيًا، والقرار محسوبًا، والتعامل مع الطقس أو الأعطال أو المفاجآت قائمًا على قراءة مسبقة واستعداد ذهني، لا على ارتباك اللحظة أو ردود الفعل المتسرعة. هذا هو الإرث الحقيقي للتدريب العسكري حين يُترجم إلى طيران مدني ناجح وآمن.
اختلف هؤلاء القادة في الطباع والأساليب والشخصيات، لكنهم اتفقوا - دون اتفاق - على جوهر واحد: المهنية الصافية. كل واحد منهم ترك أثره في تنظيم الرحلة، وفي إدارة الطاقم، وفي قراءة السماء، وفي اتخاذ القرار حين يصبح الصمت أكثر أمانًا من الشرح، وحين تكون القيادة بالفعل لا بالكلام. وهي خبرات لا تُقاس بعدد ساعات الطيران، بل بما تتركه في الأجيال التي لحقت بهم، وتعلّمت منهم دون أن تشعر.
يعيد فيلم "نسور الأردن" الاعتبار لمرحلة مفصلية من تاريخ الطيران العسكري الأردني، ويذكّر بأن القوة الجوية لا تُبنى بالمعدات وحدها، بل بالرجال. رجال ظهر بعضهم في الفيلم، وغاب آخرون، لكن أثرهم بقي حاضرًا في المؤسسات، وفي الذاكرة المهنية، وفي سلوك من تعلّم منهم سواء في العسكرية أو في الطيران المدني.
هذه السطور لا تنافس الوثيقة، بل تقف إلى جانبها بوصفها شهادة إنسانية ومهنية. شهادة تقول إن التاريخ يُكتب بالجماعة، أما الشهادة، فلا تُكتب إلا عمّن عرفتهم السماء… وعرفتهم عن قرب، وتركوا أثرًا مهنيًا ما زال يحلّق حتى اليوم.

 

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير