عملية دلتا في غزة: حين تتحول الأسطورة العسكرية لقوة عظمى إلى وهم أمام مقاومة بلا دولة!
جو 24 :
خارج النص- كتب حلمي الأسمر
منذ الأسابيع الأولى لحرب غزة، تسللت إلى الفضاء الإعلامي العربي والغربي رواية مثيرة تقول إن قوة دلتا الأمريكية نفذت – أو حاولت تنفيذ – عملية خاصة داخل القطاع لتحرير أسرى العدو الصهيوني لدى حماس، لكنها فشلت فشلًا ذريعًا وتكبدت خسائر بشرية أُخفيت عمدًا. الرواية بدت جذابة، منسجمة مع الصورة الذهنية لوحدات النخبة الأمريكية التي تتدخل في كل مسرح عالمي، ومع المزاج الشعبي الذي يرى في غزة "مقبرة للأساطير العسكرية”. لكن حين نُخضع هذه القصة لمنهج التحقيق الاستقصائي الصارم، لا بوصفها موقفًا سياسيًا بل ادعاءً قابلًا للتحقق، تبدأ الرواية كلها بالتفكك طبقة بعد طبقة، لا لأنها مستحيلة من حيث المبدأ، بل لأنها بلا أي سند مادي واحد يمكن الدفاع عنه معرفيًا أو صحفيًا.
أول ما يجب تثبيته هو ما هو مؤكد رسميًا وغير قابل للجدل: الولايات المتحدة أعلنت منذ أكتوبر 2023 وجود مستشارين عسكريين وخبراء رهائن وضباط استخبارات في إسرائيل. هذا التصريح لم يكن هامشيًا، بل تكرر على لسان البيت الأبيض والبنتاغون، وهو يعني بوضوح أن واشنطن كانت شريكًا استخباراتيًا وعملياتيًا في ملف الأسرى. أي حديث عن "دور أمريكي” ليس نظرية مؤامرة، بل حقيقة سياسية معلنة. لكن الفرق الجوهري يبدأ عند السؤال التالي: هل هذا الدور وصل إلى حد تنفيذ عملية إنزال ميدانية داخل غزة؟
هنا ندخل منطقة الفراغ الدليلي الكامل. فبعد مراجعة أرشيف وكالات الأنباء الكبرى، من أسوشيتد برس إلى رويترز ونيويورك تايمز وبي بي سي، لا نجد تقريرًا واحدًا مستقلًا يتحدث عن اشتباك لقوات أمريكية داخل غزة. لا صور، لا فيديو، لا شهود ميدانيين، لا تسريبات من صحفيين حربيين، ولا حتى إشارات هامشية في الصحافة العسكرية الأمريكية. في عالم الحروب الحديثة، حيث تُرصد أدق التحركات عبر الأقمار الصناعية والصحافة الاستقصائية ومنصات تتبع الطيران، يصبح غياب الأثر دليلًا بحد ذاته، لا مجرد نقص معلومات.
الأخطر من ذلك أن قواعد بيانات الطيران المفتوحة، التي يرصدها الباحثون حول العالم، لم تسجل أي حركة إنزال أمريكية غير اعتيادية باتجاه غزة. لا مروحيات هبطت في محيط القطاع، لا طائرات نقل تكتيكي دخلت مسرح العمليات بطريقة توحي بعملية خاصة. وهذا عنصر حاسم، لأن أي عملية دلتا حقيقية لا يمكن أن تتم بلا غطاء جوي أو لوجستي ظاهر، حتى لو كانت سرية في تفاصيلها.
فمن أين جاءت إذن رواية "عملية دلتا الفاشلة”؟ تتبع المسار الإعلامي يكشف ثلاث قنوات فقط: مواقع عربية تحليلية غير موثقة نقلت القصة عن "مصادر خاصة” بلا أسماء أو وثائق؛ حسابات على منصات التواصل ربطت بين تحركات عسكرية أمريكية عامة في المنطقة وبين استنتاج قفزي بوجود عملية داخل غزة؛ ثم خلط واسع بين عمليات إنقاذ نفذتها وحدات إسرائيلية فعلًا وبين صورة ذهنية جاهزة عن "القوة الأمريكية الخارقة”، فجرى إسقاطها تلقائيًا على المشهد.
بهذا المعنى، نحن أمام ما يسميه علم الإعلام "روابة مركّبة بلا أصل”: مجموعة إشارات صحيحة (وجود مستشارين أمريكيين، عمليات إنقاذ إسرائيلية، نشاط استخباراتي مكثف) جرى تركيبها في قصة واحدة توحي بحدث ربما لم يقع فعليًا. وهذه التقنية ليست بريئة، بل جزء من آلية إدراكية معروفة: حين يغيب الدليل، يُعوّض بالرمز. ودلتا، في الوعي الجمعي، رمز جاهز للعمليات السرية، فيُستدعى اسمها تلقائيًا لسد فجوة المعرفة.
لكن قابلية تصديق هذه الرواية لم تأتِ من فراغ، بل تستند إلى سجل تاريخي حقيقي من الإخفاقات التي راكمتها وحدات النخبة الأمريكية نفسها منذ تأسيسها. أول هذه الصدمات الكبرى كانت عام 1980 في إيران، حين فشلت عملية "مخلب النسر” لتحرير رهائن السفارة الأمريكية في طهران، لا بسبب مقاومة العدو، بل بسبب فوضى لوجستية داخلية، انتهت بتصادم مروحية مع طائرة نقل في صحراء طبس، ومقتل ثمانية جنود أمريكيين دون أن يقتربوا أصلًا من موقع الرهائن. تلك العملية لم تكن مجرد فشل تكتيكي، بل تحولت إلى رمز لانكسار صورة الجيش الأمريكي بعد فيتنام، وأسقطت إدارة كارتر سياسيًا قبل أن تسقط عسكريًا.
بعد ذلك بثلاثة عشر عامًا جاءت فضيحة مقديشو عام 1993، في ما عُرف لاحقًا بـ"معركة بلاك هوك داون”. هنا لم يكن الفشل في التخطيط فقط، بل في قراءة المجتمع والبيئة. قوة دلتا ووحدات الرينجر دخلت العاصمة الصومالية لتنفيذ عملية خاطفة لاعتقال قادة محليين، فتحولت المهمة إلى اشتباك حضري مفتوح، سقط فيه 18 جنديًا أمريكيًا، وسُحلت جثث بعضهم في الشوارع أمام كاميرات العالم. تلك اللحظة لم تهز صورة دلتا فحسب، بل أرغمت الولايات المتحدة على الانسحاب الكامل من الصومال، وأدخلت المؤسسة العسكرية في ما يشبه "عقدة العمليات الخاصة” في البيئات المعادية.
ثم جاءت عمليات أقل شهرة ولكن لا تقل دلالة، مثل محاولة تحرير سجناء من سجن "ريتشموند هيل” في غرينادا عام 1983، والتي كشفت خللًا فاضحًا في التنسيق بين القوات الجوية والبرية والبحرية، واضطرار القوات الخاصة إلى الارتجال تحت النار، ما أدى إلى فشل المهمة كما خُطط لها رغم التفوق العسكري الساحق. ما تكشفه هذه السلسلة ليس أن دلتا قوة فاشلة، بل أنها – خلاف الصورة الأسطورية – وحدة بشرية تخضع لنفس قوانين الخطأ والبيئة والتقدير الخاطئ.
هذا السجل التاريخي صنع ما يمكن تسميته "الاستعداد النفسي للتصديق”: أي أن أي رواية جديدة عن فشل دلتا، حتى لو كانت بلا دليل، تبدو تلقائيًا منسجمة مع الذاكرة الرمزية السابقة. وهنا نفهم لماذا انتشرت رواية "عملية دلتا في غزة” بهذه السهولة. ليس لأنها مثبتة، بل لأنها وقعت في تربة ذهنية مهيأة: قوة لها تاريخ من العمليات السرية، وسجل من الإخفاقات الصادمة، وبيئة حرب معقدة مثل غزة تُشبه – نفسيًا وعسكريًا – مقديشو أكثر مما تُشبه أي ساحة تقليدية.
السيناريو الأكثر واقعية، استخباراتيًا ومنطقيًا، ليس أن دلتا نفذت عملية فاشلة داخل غزة، بل أنها شاركت في مرحلة التخطيط والمحاكاة والتحليل. بمعنى أدق: تم بناء سيناريوهات إنقاذ مشتركة، أُجريت تمارين نظرية على خرائط الأنفاق، ووضعت خطط تدخل محتملة. لكن عند لحظة التقييم النهائي، ظهرت المعادلة القاتلة: بيئة أنفاق مغلقة، سيطرة ميدانية شبه مستحيلة، احتمال قتل الأسرى مرتفع جدًا، وخطر تحول العملية إلى كارثة إعلامية عالمية. هنا – وفق المنطق العسكري البارد – يكون القرار العقلاني هو الإلغاء، لا التنفيذ.
وهنا يولد الوهم: مشروع عملية أُلغي قبل أن يبدأ، يتحول في التداول الشعبي إلى "عملية فشلت”. الفرق بين الاثنين شاسع، لكن في الإعلام السياسي لا أحد يهتم بهذا الفارق. الجمهور لا يرى ما لم يحدث، بل ما يُروى عنه. وهكذا تُصنع الأسطورة.
النقطة الأخطر، والتي تكاد تكون فاصلة علميًا، هي مسألة الخسائر البشرية. لو سقط جنود أمريكيون فعلًا داخل غزة، حتى لو حاولت واشنطن التعتيم، لظهر أثر اجتماعي داخلي لا يمكن حجبه: عائلات، جنازات، تعويضات، تسريبات من مجتمع عسكري مفتوح نسبيًا. في قضايا أقل حساسية بكثير، تنفجر الصحافة الأمريكية بتفاصيل الجنود القتلى. أما هنا، فلا اسم واحدا، ولا شائعة داخل المجتمع العسكري، ولا حتى تسريبا مجهول المصدر من داخل الولايات المتحدة نفسها. هذا الصمت ليس حيادًا، بل قرينة قوية جدًا على عدم وقوع اشتباك مباشر .
لكن الحقيقة الأعمق من كل هذا، والتي تتجاوز سؤال "هل دخلت دلتا أم لم تدخل”، هي أن غزة نفسها تحولت إلى أكثر بيئة قتالية عصيّة على أعقد الجيوش في العالم. ليست المسألة في أن قوة أمريكية فشلت أو لم تفشل، بل في أن نموذج المقاومة الفلسطينية – بموارد محدودة، وحصار خانق، وتفوق تقني مطلق للعدو – استطاع أن يفرض معادلة جديدة في الحرب الحديثة: الإنسان حين يمتلك عقيدة راسخة ووعيًا بالأرض، يتحول إلى سلاح استراتيجي لا تستطيع الأقمار الصناعية رصده ولا الذكاء الاصطناعي توقع سلوكه.
حماس، والمقاومة في غزة عمومًا، لم تهزم دلتا لأنها ربما لم تدخل، لكنها فعلت ما هو أخطر: جعلت دخول أي قوة خاصة، مهما بلغت أسطوريتها، خيارًا عالي الكلفة إلى حد اللاعقلانية العسكرية. شبكة الأنفاق ليست مجرد بنية تحتية، بل منظومة سيادة ميدانية، تعيد تعريف مفاهيم السيطرة والردع والاختراق. هنا لا تعمل منطق "الضربة الخاطفة”، ولا تنجح فلسفة "العملية الجراحية”، لأن الخصم لا يقاتل كجيش، بل كجغرافيا حية مزروعة بالمجاهدين الشغوفين بالشهادة.
بهذا المعنى، غزة لم تنتصر لأنها أسقطت طائرة أو دمّرت دبابة أو أفشلت عملية محددة، بل لأنها كسرت النموذج الذهني نفسه الذي تقوم عليه الجيوش الإمبراطورية: نموذج الحرب النظيفة، السريعة، المحسوبة. في غزة، كل شيء يتحول إلى حرب استنزاف للوعي قبل السلاح، وإلى معركة إرادات لا تُحسم بالتكنولوجيا بل بالقدرة على البقاء والصمود.
ولعل أخطر ما في رواية "عملية دلتا” — سواء كانت صحيحة أو أسطورية — أنها تكشف حقيقة واحدة لا يستطيع الغرب الاعتراف بها علنًا: أن المقاومة الفلسطينية لم تعد مجرد فاعل محلي، بل أصبحت عقدة استراتيجية عالمية، تُربك إسرائيل، وتحرج أمريكا، وتُرغم أكبر القوى العسكرية في التاريخ على التفكير ألف مرة قبل أن تخطو خطوة واحدة داخل هذا الشريط الصغير من الأرض… الذي قرر أن لا يكون ساحة اختبار، بل مقبرة للأساطير.








