هل أجبر التحالف (الإيراني–الروسي–الصيني) ترامب على التراجع عن ضرب إيران؟
جو 24 :
كتب أ.د احمد القطامين *
أثارت مواقف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تجاه إيران، ولا سيما تراجعه عن تنفيذ ضربات عسكرية مباشرة، تساؤلات واسعة حول ما إذا كان التحالف غير المعلن بين إيران وروسيا والصين قد لعب دورًا حاسمًا في ردع واشنطن. ورغم شيوع هذا الطرح في الخطاب السياسي والإعلامي، فإن الإجابة تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد "تحالف أجبر ترامب على التراجع”.
خلال ولايته، تبنّى ترامب سياسة "الضغط الأقصى” على إيران، فانسحب من الاتفاق النووي عام 2018 وفرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة. وفي المقابل، شهدت المنطقة لحظات تصعيد خطيرة، أبرزها إسقاط إيران طائرة استطلاع أميركية مسيّرة في يونيو/حزيران 2019، وهي حادثة كادت أن تشعل مواجهة عسكرية مباشرة، قبل أن يعلن ترامب في اللحظات الأخيرة تراجعه عن توجيه ضربة عسكرية.
هنا يبرز سؤال التحالف، فمن الناحية الشكلية، لا يوجد تحالف عسكري صلب يجمع إيران وروسيا والصين على غرار حلف شمال الأطلسي. إلا أن التقاطع الاستراتيجي بين هذه الدول، خاصة في مواجهة النفوذ الأميركي، خلق ما يشبه "محور مصالح” يوفر لإيران غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا مهمًا. فروسيا والصين عارضتا أي عمل عسكري ضد طهران في مجلس الأمن، واعتبرتا أن التصعيد الأميركي يهدد الاستقرار الدولي.
هذا الدعم لم يكن مجرد موقف سياسي، بل حمل رسالة ردع غير مباشرة: أي ضربة أميركية لإيران قد لا تبقى محدودة، بل يمكن أن تفتح بابًا لمواجهة أوسع في منطقة ترتبط بمصالح روسية وصينية حيوية، سواء في مجال الطاقة أو الأمن الدولي. هذه المعادلة رفعت كلفة القرار العسكري الأميركي وجعلته أكثر تعقيدًا.
مع ذلك، فإن اختزال قرار ترامب في عامل التحالف وحده يُغفل اعتبارات أخرى لا تقل أهمية. فترامب، الذي قدّم نفسه للناخب الأميركي على أنه رئيس "ينهي الحروب ولا يبدأها”، كان حذرًا من الانجرار إلى نزاع طويل في الشرق الأوسط. كما أن المؤسسة العسكرية الأميركية نفسها أبدت تحفظات على ضربة قد تؤدي إلى ردود إيرانية واسعة تستهدف القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.
إضافة إلى ذلك، لعبت الحسابات الانتخابية والاقتصادية دورًا واضحًا، فحرب جديدة كانت ستؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وتهديد الملاحة في الخليج، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد الأميركي وفرص ترامب في الانتخابات النصفية هذا العام.
في المحصلة، لم يُجبر التحالف الإيراني–الروسي–الصيني ترامب على التراجع بشكل مباشر، لكنه شكّل عنصر ردع مهم ضمن منظومة معقدة من العوامل السياسية والعسكرية والداخلية. قرار التراجع كان نتاج موازنة دقيقة بين القوة والمخاطرة، أكثر منه خضوعًا لتحالف بعينه، وهو ما يعكس طبيعة الصراع الدولي في مرحلة تتراجع فيها الضربات المباشرة لصالح حسابات النفوذ والقوة.
qatamin8@hotmail.com
* اكاديمي اردني








