2026-02-10 - الثلاثاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

أحمد عبيدات… حين يعود رجل الدولة إلى حرثا، وتبقى المدرسة

أحمد عبيدات… حين يعود رجل الدولة إلى حرثا، وتبقى المدرسة
جو 24 :

كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - 

لم يكن وداع أحمد عبيدات في حرثا حدثًا عابرًا، بل لحظة وطنية نادرة، التقت فيها الجغرافيا بالمعاني الوطنية النبيلة. زحف الأردنيون من مختلف المدن والبوادي، لا ليشيّعوا جسدًا فقط، بل ليؤكدوا أن الرجل الذي غادر المنصب منذ عقود، ظل حاضرًا في وجدانهم باعتباره نموذجًا لما يجب أن يكون عليه رجل الدولة.

حرثا لم تستقبل ابنها بوصفه مسؤولًا سابقًا، بل باعتباره سيرة وطنية مكتملة، وتجربة حكم وإدارة لم تنفصل يومًا عن الأخلاق العامة. في هذا المشهد، بدا الوداع أشبه باستدعاء لذاكرة الدولة نفسها، وحنينٍ جمعيّ إلى زمنٍ كانت فيه السلطة وظيفة وخدمة لا غنيمة، والمسؤولية عبئًا لا امتيازًا.

الزعامة التي لا تصنعها المناصب
لم يكن أحمد عبيدات رجل مرحلة، بل رجل عابر لكل المراحل. شغل أعلى المواقع التنفيذية والأمنية في الدولة الأردنية، فكان رئيسًا للوزراء، ووزيرًا للداخلية، ومديرًا عامًا لدائرة المخابرات العامة، كما تولّى مواقع سيادية أخرى في قلب القرار وقمة هرم المسؤولية. ومع ذلك، ظلّ ينظر إلى المنصب باعتباره تكليفًا لا تشريفًا، وموقعًا لخدمة الناس لا منصةً للنفوذ وحصد الجوائز والمكاسب.
منهج الحكم: لا ظلم… ولو كان الثمن الموقع
في ثقافةٍ سياسيةٍ تميل إلى تبرير الأخطاء، كان عبيدات صريحًا على نحوٍ غير مألوف. اعترف بأن الخطأ الإداري وارد، بل حتمي، لكنه وضع خطًا أحمر واحدًا: الظلم المتعمّد. كان خوفه الحقيقي أن يظلم إنسانًا وهو يعلم أنه يظلمه. بهذا المعنى، لم يكن الاعتراف بالخطأ ضعفًا، بل جزءًا من أخلاقيات المسؤولية، ومن فهمٍ عميقٍ لمعنى السلطة.

لم تُبنَ مكانة أحمد عبيدات في وجدان الأردنيين على الخطابة أو الشعبوية، بل على سلوكٍ عامٍّ متّسق: نظافة اليد، وصلابة الموقف، ووضوح البوصلة. رأى الأردنيون فيه نموذجًا لمسؤولٍ لم يتورّط في شبكات الفساد، ولم يُجامل على حساب المال العام أو السيادة الاقتصادية، وكان حازمًا في إدارة الدولة حين تطلّب الأمر، دون أن يتحوّل الحزم إلى قسوة أو تعالٍ.
الدولة ليست الحكومة
تميّزت مدرسة عبيدات بالفصل الواضح بين الدولة والحكومة. فالدولة عنده كيانٌ أوسع من الأشخاص والمرحلة، والمعارضة ليست خصومةً مع الوطن، بل دفاعًا عنه حين ينحرف المسار. لذلك وصِف بأنه "رجل دولة معارض"، لا لأنّه خاصم الدولة او الوطن، بل لأنّه رفض أن يساوي بينها وبين أي حكومة أو قرار عابر.
السياسة والاقتصاد: الاستقلال قبل المساعدات

في رئاسته للحكومة، سعى إلى كبح المديونية، وضبط الإنفاق العام، ومراجعة أوضاع المؤسسات والشركات الكبرى، وفتح ملفات الهدر والفساد، مع التوجه لتشريعات تحمي المال العام.

في قراءته للاقتصاد السياسي، كان عبيدات من أنصار فكرة الاستقلال الحقيقي. اعتبر أن حماية العملة الوطنية، وضبط الفوضى المالية، ومنع تغوّل رأس المال غير المنضبط، ليست إجراءات تقنية، بل قرارات سيادية. فالسيادة، في نظره، لا تُختزل بالحدود فقط، بل تبدأ من القدرة على حماية القرار الاقتصادي من العبث والارتهان.

لم يُنكر أهمية المساعدات الخارجية، لكنه حذّر من تحوّلها إلى قيدٍ على الإرادة الوطنية او تدخل في سياساته الوطنية. الدولة القوية – في نظره – تُبنى اولا بالإصلاح الداخلي، وبالإدارة الرشيدة، وبتنمية الموارد المحلية، وبالإقتصاد في الإنفاق والسيطرة على الهدر، قبل انتظار المساعدات من الخارج.

الإصلاح: عماده القانون وبناء المؤسسات وتكافؤ الفرص
لم يكن رجل مضافات ولا مساومات، بل مؤمنًا بالعمل الجماعي والمؤسسي، رافضًا تسييس العشائر أو تحويلها إلى بدائل عن سيادة القانون على الجميع. في تشخيصه للإصلاح السياسي، حدّد جوهر الأزمة في قانون الانتخاب، معتبرًا أنه مفتاح التمثيل الحقيقي. رأى أن أي إصلاح لا يبدأ من تمكين الناس وإحترام حقوقهم الدستورية في إختيار ممثليهم هو ذر للرماد في العيون، وأن بناء الدولة لا يتم بالشعارات بل بإصلاح المؤسسات وتكافؤ الفرص ووضع الرجل المنسب في المكان المناسب.وكان له دور رئيسي في تمرير قانون الأحزاب في التسعينات.

الفساد: معركة بنيوية لا شعارات
لم يتعامل مع الفساد كملفٍ دعائي أو تصفية حسابات، بل كاختلالٍ في البنية القانونية والمؤسسية والإجتماعية. كان من اشد المسوؤلين محاربة للفساد، يؤمن أن العدالة والرقابة وسيادة القانون ومحاسبة الفاسدين والإدارة الرشيدة هي السدّ الحقيقي في وجه الفساد، لا البيانات والوعود السياسية، ولا استبدال الأشخاص مع بقاء القواعد والجذور ذاتها.

فلسطين: ثبات الموقف ووضوح البوصلة
في صلب مدرسة أحمد عبيدات الوطنية، كانت فلسطين حاضرة بوصفها قضية حق تاريخي شامل، لا ملفًا سياسيًا قابلًا للتجزئة او التنازل. لم ينظر إلى فلسطين من زاوية الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، بل بوصفها فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، حقًا لأهلها، وحقًا للأمة، لا يسقط بالتقادم ولا يُعاد تعريفه بالاتفاقيات. وأن أي تفريط بذرة تراب من فلسطين التاريخية هو خروج عن جوهر الصراع وخيانة للوطن والعروبة والدين. وفي هذا السياق، لم يكن موقفه من المقاومة عاطفيًا أو ظرفيًا، بل منطلقًا من فهم تاريخي لطبيعة الشعب الفلسطيني وصراعه مع المحتل، ومن إدراكه بأن الحقوق لا تُستعاد بمنطق الإدارة والتسويات، بل بمنطق الصمود والمقاومة.
إتفاقية السلام: اعتراض على المبدأ لا التفاصيل
لم يكن اعتراضه على اتفاقية وادي عربة تقنيًا أو جزئيًا، بل اعتراضًا على بنيتها الرئيسية. رأى خللًا في معادلة المياه، وغموضًا قانونيًا في دور الأردن ووصايته على القدس والمقدسات، وخلو الإتفاقية من نص صريح حول حق عودة اللاجئين. وبإختصار كانت معارضته قائمة على مبدأ " أن لا سلام بلا ضمانات حقيقية واستعادة الحقوق".
لماذا كان الوداع مختلفًا؟
لأن أحمد عبيدات لم يُصافح السلطة بوصفها غاية، ولم يُصافح الاحتلال بوصفه أمرًا واقعًا، ولم يتعامل مع الوطن كرصيدٍ سياسي. عاش ومات وهو يرى المنصب مرحلة، لا هوية، والخدمة العامة واجبًا لا امتيازًا.
لهذا، بدا المشهد في حرثا أكبر من جنازة، وأقرب إلى استفتاء وطني متأخر، قال فيه الأردنيون بصمتهم قبل كلماتهم: هؤلاء هم الرجال الذين يُبنى بهم المعنى، لا الصورة.
رحل أحمد عبيدات، لكن ما استقر في تراب حرثا لم يكن جسدًا فقط، بل مدرسة…
مدرسة تقول إن الوطنية موقف، وإن فلسطين حق كامل، وإن الدولة لا يحرسها او يبنيها الفاسدون، بل أصحاب الضمير الحي والصلب الذين يضعون مصلحة الوطن في عقولهم ووجدانهم وأرواحهم لا في جيوبهم.
 
 

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير