زهران ممداني: نموذج السياسي المعاصر في الولايات المتحدة الأمريكية
المحامية رحمه العزه
جو 24 :
لم تعد التحولات التي تشهدها السياسة الأمريكية محصورة في تبدّل الوجوه أو صعود تيارات جديدة داخل الحزبين التقليديين، بل باتت تمسّ جوهر العمل السياسي نفسه من مصادر الشرعية، طبيعة الخطاب، ودور المال والنفوذ في صنع القرار، ويبرز زهران ممداني، عمدة مدينة نيويورك، نموذج السياسي المعاصر.
يمثل ممداني حالة سياسية لافتة ليس فقط بسبب انتمائه للتيار التقدمي، بل بسبب خطابه العابر للهويات الدينية والعرقية، فقد حرص بشكل واضح على التأكيد أن اليهود والمسلمين، إلى جانب جميع الأعراق والأصول، يشكلون نسيجًا واحدًا من مواطني نيويورك، يتمتعون بحقوق متساوية غير قابلة للتجزئة أو التسييس في مدينة تُعد من أكثر مدن العالم تنوعًا، يصبح هذا الخطاب ليس مجرد موقف أخلاقي، بل موقفًا سياسيًا مضادًا لسياسات الاستقطاب والفرز الهوياتي التي سادت الخطاب الأمريكي.
كما يُعدّ من السياسيين القلائل في المشهد الأمريكي الذين تبنّوا القضايا الحسّاسة من منطلق حقوقي وإنساني غير انتقائي، وهو ما يتجلّى في دعمه الصريح لحقوق الفلسطينيين ضمن إطار القانون الدولي والعدالة، دون ربط ذلك بأي عداء ديني أو قومي، في تحدٍ للخطاب السائد الذي يساوي بين انتقاد السياسات الإسرائيلية ومعاداة السامية. وفي الوقت نفسه، أكّد دعمه الكامل ليهود نيويورك كمواطنين متساوين في الحقوق، ورفضه القاطع لأي خطاب معادٍ للسامية، وهو ما منحه دعمًا من يهود تقدميين رأوا في طرحه فصلًا أخلاقيًا واضحًا بين الهوية الدينية والسياسات الحكومية، ومحاولة لإعادة صياغة النقاش السياسي بعيدًا عن منطق الصهيونية العالمية. كما اتخذ ممداني موقفًا حازمًا ضد سياسات ترحيل المهاجرين، معتبرًا الهجرة جزءًا أصيلًا من الهوية الأمريكية، ومعارضًا نهج إدارة دونالد ترامب القائم على الترحيل الجماعي والتضييق، لما يحمله من آثار إنسانية واجتماعية تتعارض مع مبادئ العدالة والمساواة، مقدّمًا خطابًا بديلًا يؤكد اندماج المهاجرين كمواطنين فاعلين في المجتمع الأمريكي.
هذا التوجه يعيد تعريف مفهوم التمثيل السياسي، فممداني لا يخاطب جماعة بعينها بوصفها "كتلة انتخابية"، بل يسعى إلى صياغة هوية مدنية جامعة، تقوم على المواطنة لا الإنتماء الديني أو العرقي، وهو بذلك يتجاوز النموذج التقليدي الذي غالبًا ما استثمرت الهويات لخدمة الحسابات الانتخابية.
إلى جانب ذلك، يشكل رفض ممداني الاعتماد على التمويل التقليدي أو اللوبيات الكبرى عنصرًا محوريًا في صورته السياسية، ففي نظام سياسي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره خاضعًا لتأثير المال، يمنح هذا الخيار ممداني درجة عالية من المصداقية أمام المواطنين، ويجعل قراراته وخطاباته أقل عرضة للاتهام بالتسييس أو الارتهان للممولين. غير أن هذا المسار، في الوقت ذاته، لا يخلو من تداعيات بنيوية، إذ يطرح تهديدًا مباشرًا لقوة اللوبيات وشبكات النفوذ، في حال تحوّل إلى نموذج يُحتذى من قبل مرشحين مستقبليين على مستوى الولايات أو حتى السباق الرئاسي.
هنا يبرز سؤال جوهري: هل يمثل هذا النهج سلوكًا سياسيًا ثوريًا يكسر قواعد اللعبة التقليدية؟ أم أنه، على نحو أكثر تعقيدًا، أسلوب جديد تسمح به – أو حتى تشجّعه – "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة، في محاولة لإعادة بناء ثقة المواطن الأمريكي بنظام سياسي اهتزت شرعيته بفعل الاستقطاب، والفساد المدرك، وتراجع الإيمان بالمؤسسات؟
الإجابة ليست حاسمة. فمن جهة، يبدو نموذج ممداني صدامياً مع البنية التقليدية للسلطة، خاصة في ما يتعلق بالمال السياسي والسياسة الخارجية وخطاب العدالة الاجتماعية. ومن جهة أخرى، لا يمكن استبعاد أن النظام السياسي الأمريكي، بمرونته التاريخية، قادر على استيعاب هذا النوع من الخطاب وإعادة توظيفه ضمن حدوده، دون السماح له بإحداث تغيير جذري كامل.
تفتح التجربة السياسية لممداني كذلك الباب أمام تحوّل أوسع في منطق السباق الرئاسي الأمريكي مستقبلًا، فبدل أن يكون الحزب هو محور الاختيار، قد يصبح الرهان على القاعدة الشعبية لشخصية السياسي نفسه، وعلى مصداقيته وقدرته على التواصل المباشر مع الناخبين، بغضّ النظر عن الانتماء الحزبي التقليدي، وإذا ما تعزز هذا الاتجاه، فإن الثنائية الحزبية التي حكمت الولايات المتحدة لعقود قد تواجه اختبارًا غير مسبوق، لا عبر انهيارها، بل عبر تفريغها من مضمونها التاريخي.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى زهران ممداني باعتباره ظاهرة محلية عابرة، بل كإشارة إلى تحوّل أعمق في الثقافة السياسية الأمريكية، تحوّل لا تزال ملامحه غير مكتملة، ويتأرجح بين كونه بداية تفكيك للنموذج التقليدي، أو محاولة ذكية لإعادة ترميمه بثوب أكثر شعبوية وإنسانية. وفي كلا الحالتين، فإن أثر هذا النموذج على مستقبل السياسة الأمريكية، وعلى ثنائية الحزبين تحديداً، يبدو مرشحاً للتصاعد في السنوات القادمة.








