2026-02-11 - الأربعاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

هل نملك ترف يوم عطلة إضافي؟ قراءة اقتصادية

هل نملك ترف يوم عطلة إضافي؟ قراءة اقتصادية
جو 24 :

كتب د. عدلي قندح -

في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها الأردن، يعود إلى الواجهة مقترح تعطيل الدوائر والمؤسسات الرسمية ثلاثة أيام أسبوعيًا، مع استثناء قطاعي الصحة والتعليم. قد يبدو القرار، في ظاهره، خطوة حداثية تهدف إلى تحسين بيئة العمل ورفع الإنتاجية، لكنه في جوهره يطرح سؤالًا أعمق وأكثر إلحاحًا: هل المشكلة في عدد أيام العمل، أم في ضعف ما ننجزه خلالها؟

لمعالجة هذا السؤال بعيدًا عن الانطباعات السريعة، لا بد من إخضاع الفكرة لتحليل منهجي واقعي، يوازن بين الإيجابيات والمخاطر، ويقيس القرار على مؤشرات الاقتصاد الكلي، لا على رغبات آنية. ومن هنا، يمكن قراءة المقترح من خلال تحليل SWOT، الذي يكشف أبعاده الحقيقية في الحالة الأردنية.

من حيث نقاط القوة، لا يمكن إنكار أن تقليص أيام العمل قد ينعكس إيجابًا على الرضا الوظيفي لموظفي القطاع العام، ويخفف من الإرهاق، وربما يقلل بعض النفقات التشغيلية. كما أن الفكرة تعكس رغبة في مواكبة تجارب دولية حديثة انتقلت إلى نماذج عمل أكثر مرونة. غير أن هذه الإيجابيات تبقى نظرية، وتفترض بيئة مؤسسية ناضجة، تقاس فيها الإنتاجية بالنتائج لا بالحضور، والخدمة بالسرعة والجودة لا بعدد ساعات الدوام.

أما نقاط الضعف، فهي أكثر التصاقًا بالواقع. الإنتاجية في القطاع العام ما تزال دون المستوى المطلوب، والإجراءات الحكومية تعاني أصلًا من البطء والتعقيد. تقليص أيام العمل في هذا السياق لا يعني ضغط الإنجاز، بل قد يعني ببساطة تأجيله. يضاف إلى ذلك اتساع الفجوة بين القطاعين العام والخاص، حيث لا يستطيع القطاع الخاص تحمّل عطلة إضافية، ما يخلق شعورًا بعدم العدالة ويضغط على بيئة الأعمال. الأخطر من ذلك، غياب منظومة صارمة لقياس الأداء والمساءلة، ما يجعل القرار أقرب إلى تغيير شكلي منه إلى إصلاح حقيقي.

في المقابل، يمكن النظر إلى المقترح بوصفه فرصة مشروطة، لا مكسبًا تلقائيًا. فهو قد يشكّل حافزًا لإعادة هندسة الإجراءات الحكومية، وتسريع الرقمنة الفعلية، وإعادة تعريف مفهوم الإنتاجية في القطاع العام. لكنه لن يحقق أيًّا من ذلك ما لم يأتِ ضمن حزمة إصلاح شاملة تسبق القرار، لا أن تُترك نتائجه للتجربة والخطأ.

غير أن مكامن الخطر تبقى الأثقل وزنًا. الأردن يعاني من معدلات بطالة مرتفعة، خصوصًا بين الشباب، ومن اتساع رقعة الفقر، ما يجعل أي تباطؤ في النشاط الاقتصادي ذا كلفة اجتماعية مباشرة. كما أن العجز التجاري المزمن يعني أننا نستهلك أكثر مما ننتج، ونعتمد على إنتاج الآخرين لتلبية احتياجاتنا. في اقتصاد كهذا، تقليص أيام العمل لا يعالج الخلل، بل يعمّقه. يضاف إلى ذلك عجز الموازنة العامة والمديونية المرتفعة، وهما مؤشّران لا يُعالجان بالإجازات، بل بتوسيع القاعدة الإنتاجية وزيادة الناتج المحلي الإجمالي.

أما استثناء قطاعي الصحة والتعليم من التعطيل، فرغم أهميتهما، فهو استثناء شكلي أكثر منه عملي. هذان القطاعان مرتبطان إداريًا وماليًا وتشغيليًا ببقية مؤسسات الدولة. تعطيل الدوائر التي تخدمهما أو تنظّم عملهما سينعكس حتمًا على كفاءتهما، ولو بشكل غير مباشر. الفصل هنا إداري على الورق، لكنه غير قابل للفصل في الواقع.

الخلاصة أن الدول التي تقلّص أيام العمل تفعل ذلك بعد أن تُنجز إصلاحاتها الكبرى، وترفع إنتاجيتها، وتبني مؤسسات فعّالة. أما الأردن، فما زال بحاجة إلى مزيد من العمل المنتج، وتسريع الإنجاز، وتعظيم الدخل الوطني، وتحسين مستوى الخدمات، وخفض البطالة والفقر والعجز والمديونية.

السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نرغب في يوم عطلة إضافي؟
بل: هل اقتصادنا، بإنتاجيته الحالية وتحدياته القائمة، قادر على تحمّل كلفة يوم إنتاج أقل؟

في هذه المرحلة، الجواب الاقتصادي الصريح هو: لا.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير