jo24_banner
jo24_banner

الربيع السوري يزهر نفطا في مكاتب شيفرون الاميركية... ولا عزاء لكل طير السنونو

الربيع السوري يزهر نفطا في مكاتب شيفرون الاميركية... ولا عزاء لكل طير السنونو
جو 24 :

كتب أ. د. عبدالحكيم الحسبان - 

كان الخبر مقتضبا، وبالكاد كانت العيون تلمحه على الشاشة وسط طغيان العواجل المتصلة بالتصعيد الاميركي الصهيوني ضد ايران، وتلك المتصلة بجزيرة جيفري ابستين التي خيل لنا وكأنها صنعت العالم. يقول الخبر المقتضب أن شركة شيفرون الاميركية وقعت عقود نفطية مع السلطة الانتقالية في دمشق لاستكشاف النفط واستخراجه في الساحل السوري المتوسطي. وبالتناغم الزمني مع لحظة التوقيع، عاشت دمشق معرض كتبها السنوي الاول بعد انهيار النظام السابق، وحيث اختفت كتب النسوية التحررية وماركس واليسار والقومية العربية لتحل مكانها كتب ابن تيمية وكتب تكفير الرافضة، والدروز، و"الكفرة من المسيحيين والنصارى" وكل من هو ليبرالي أو علماني او حتى صوفي أو مثقف.

في علم السياسة عليك أن تميز بين الحدث السياسي بما يشتمل عليه من فعل واهداف يجري السعي لتحقيقها وبين الوسائل المستخدمة لتحقيق هذه الاهداف. وفي كثير من الاحيان عليك ان تخرج عالم العواجل الصحفية التي تركز على حدث ما، لان الحدث كما العواجل المتعلقة به هي مجرد دخان كثيف وعواصف غبارية للتعمية والالهاء عن الحدث الحقيقي الذي يجري في مكان اخر وعن الاهداف السياسية التي يجري تحقيقها ولا يريد للجمهور أن يلحظها ويراها.

ويحدث أن يتزامن خبر حصول شيفرون الاميركية على حقوق استكشاف النفط السوري واستخراجه مع جملة من الوقائع لترسم جزءا من مشهد سوري واقليمي ودولي اكثر اتساعا. ففي ذات اللحظة التي كانت شيفرون توقع صك السطو على نفط المتوسط السوري، كان السوريون يتهافتون على مكاتب شركة الكهرياء السورية يعتصرهم الغضب والالم من مضاعفة فواتير الكهرباء باكثر من عشرة اضعاف وبجرة قلم واحدة . وبالتزامن مع لحظة التوقيع كانت منصات التواصل الاجتماعي الاردنية تعبر عن غضبها الممزوج بالحزن من قرار السلطة الانتقالية في دمشق بمنع دخول الشاحنات الاردنية الاراضي السورية باعتباره اجراءا عقابيا لا يليق بشقيق ولا يصدر عن سلطة افترضها الناس بديل ديموقراطي شقيق عن سلطة ديكتاتورية سابقة. وبالتزامن ايضا، كان كثير من اللبنانيين يعيشون قلق تلك الاخبار القادمة من الحدود السورية اللبنانية عن احتشاد الاف من العناصر السلفية الجهادية الاكثر تشددا على خط الحدود اللبناني وسط تسريبات من قلب السلطة الانتقالية تقول بانها لم تنس ثأرها من احدى المكونات اللبنانية الرئيسة.

وعلى مستوى الداخل السوري أيضا جاء توقيع شيفرون على عقود الاستحواذ على النفط السوري في خضم تفكيك كيان شرق الفرات الذي انشاته الولايات المتحدة والكيان ليكون كيانا انفصاليا وكان الوكيل فيه هو ميليشيات قسد التي كانت لسنوات طويلة تسمى بقوات سوريا الديموقراطية ولما أتى موعد جز الرؤوس الاميركي التركي لها صار اسمها ميليشيا قسد الكردية ومن قبل ذات الاذرع الاعلامية التي كانت تسميها قوات سوريا الديموقراطية. وعلى مستوى الداخل السوري ايضا وايضا، سبق تفكيك كيان قسد الانفصالي مجازر جماعية على الساحل السوري بحق مكون وطني وتاريخي سوري اصيل، واستكملت لاحقا بمحازر اخرى في منطقة السويداء الجارة الشقيقة لشمال الاردن أسفرت عن الاف كثيرة من الضحايا. وأما أخبار العدوانات الصهيونية المتواصلة بشكل شبه يومي على كامل الجنوب السوري فلا تكاد تتوقف واذ صار الغضب عارما في جنوب سوريا من الخطر اليومي الصهيوني المعاش من قبل الاهالي في الجنوب .

جاء خبر توقيع شيفرون ليضيف عنصرا اضافيا في تلك الاستراتيجية الاميريكية القديمة الجديدة التي تقول أن كل قطرة نفط في العالم يجب أن تكون ضمن مساحة القرار الاميركي ويجب ان تكون شأنا اميركيا. ولان النفط هو الدولار، ولان النفط والطاقة هما علبة مفاتيح النظام الدولي وتوزيع شبكة القوى والسلطة فيه، فلا يجب أن تترك قطرة نفط واحدة خارج القرار الاميركي. فنزويلا تعاقب منذ عشرين عاما لان نفطها خارج السطوة الاميركية، ليبيا حوصرت وعوقبت لان نفطها خارج بيت الطاعة الاميركي، وايران تفرض عليها منذ عشرات السنين أقسى عقوبات عرفتها البشرية لان نفطها خارج القرار الاميركي انتاجا وتسويقا وتسعيرا. ونيجيريا تقصف تحت شعار حماية المسيحيين لانها مورد رئيس افريقي للنفط وحيث الصين باتت الرقم الصعب في المعادلة الافريقية. وانبوب غاز نورد ستريم الروسي لغرب اوروبا يتم تفجيره بعد سنين من الضغوط الاميركية على المانيا لالغاء الشراكة مع روسيا. ومؤخرا تتواتر الاخبار عن ضغوط اميركية تتعلق بالنفط الروسي المصدر للهند ولدول العالم الاخرى.

وأما اقليميا، فيأتي خبر سيطرة شيفرون الاميركية على النفط السوري المتوسطي ليستكمل مسارا طويلا من الهيمنة الاميركية على خريطة الطاقة في الاقليم. ففي حين سمح للصهيوني بان ينتفع من نفط شرق المتوسط وغازه منذ ازيد من عشر سنوات ليتحول الكيان الى لاعب اقليمي في خريطة الطاقة، كما سمح مؤخرا للقبرصي المنضوي هو واليوناني بالكامل في الاستراتيجية الامنية الاميركية الصهيونية بالتنقيب واذ بالغاز القبرصي يخرج من باطن البحر، لم يسمح للبناني والسوري والفلسطيني مقابل شاطئ غزة بان يستخرج ما في باطن البحر. وعليه، فإن احتفاء شيفرون بالتوقيع جاء ليعلن رسميا انتفاء السبب الذي وقف عائقا امام الاستراتيجية الاميركية التي يتعاون فيها التركي والقطري في ادخال النفط السوري ضمن خريطة الطاقة المهيمن عليها اميركيا أي انهيار السوري السابق.

والحال، فانه وسط جبال القلق والخوف والاحباط التي يعيشها معظم السوريين كما جزء كبير من الاردنيين كما كثير من الشعب اللبناني وغيرهم وغيرهم من المعنيين بالشأن السوري، وحدها كانت شيفرون الاميركية للنفط والغاز هي التي تحتفي. فمعظم دول الاقليم تعيش القلق الكبير جراء مآلات المشهد السوري الذي سمي ربيعا وثورة لشعب سعى للحرية والكرامة ورغد العيش فجاءت الثورة لتأتي لنا بربيع سوري، كما قيل لنا، واذ يرمز ظهور طير السنونو في الثقافة واللغة الفرنسيتين لقدوم فصل الربيع الذي ينتظره الفرنسيون عادة بعد شتاء طويل قارس.

اجزم أن الدولة الاردنية التي كانت تجد في الموقف السوري ورقة في مواجهة مشروع اسرائيل الكبرى، بات صانع القرار الاردني يعيش واقع أن القرار في دمشق بات جزءا من اوراق الضغط الصهيوني عليه. وبعكس السرديات التي روج لها بعض الاعلام والتي كانت تصور سوريا والمحور المنضوية فيه بانها تهديد للدولة الاردنية، فاكتفي هنا بالاشارة إلى موقف الدولة السورية السابقة واعلامها أثناء ما عرف باحداث الفتنة في المملكة التي مثلت حينها اهم حدث يتعلق ببنية النظام في الاردن، ففي حين كان معظم الاعلام الذي اعتاد الاردنيون على مشاهدته ويصنفونه صديقا وموثوقا، كان هذا الاعلام يغذي عناصر الفتنة ويبث كل السموم الممكنة بهدف تقويض النظام في الاردن، لم يحدث أن استضاف الاعلام السوري حينها معارضا اردنيا واحدا من داخل البلاد او من تلك العناصر المعارضة خارج الاردن لينفثوا السموم لتغذية الفتنة.

وأما كل التهديدات التي كانت تأتي من الجنوب السوري على هيئة مخدرات، فاجزم ان من كان ورائها هو الصهيوني ذاته. فالجنوب السوري بقي لاكثر من خمسة عشر عاما خارج نطاق سيطرة النظام السوري السابق المباشرة وحتى غير المباشرة، وكان كل ما يجري في الجنوب السوري كما هو الحال الان هو من هندسة الموساد الاسرائيلي ووكلاؤه وما اكثرهم. كما كان الجنوب السوري يعيش واقع احتلال اميركي في قاعدتي التنف والركبان. والدليل أنه وبرغم اختفاء النظام السابق فان خطر التهريب ما فتأ يزداد بدل ان يتناقص.

وفي مقابل احتفاء شيفرون النفطية الاميركية بربيعها السوري، يمكن لنا أن نضع قائمة بطوابير طويلة ممن خرجوا من المولد بلا حمص كما يقال، وممن يشعرون بالحزن والغضب من ذلك الربيع الذي خرجوا من اجله وبشروا فيه ليأتي الاميركي في النهاية وليحصد كل ثمار الربيع الذي صنعوه وليكون للامريكي، وليس لهم، ولا لمن سيأتي بعدهم من احفاد واسباط. ففي قائمة من خرجوا من المولد بلا حمص أسراب طويلة وعميمة من طيور السنونو التي خرجت لشوارع درعا وحماه وحمص لتصور فيديوهات تهتف للربيع وخيراته ووروده والحداثات التي سيأتي بها، في حين كان معظمها طائفيا واقليميا وعنصريا وسلفيا جهاديا.

وفي قائمة من يجب أن يشعروا بالحزن بعد أن قطفت شيفرون الاميركية ثمار ربيعهم الموهوم طوابير طويلة من مثقفين وصحافيين وصويفحيين ليبراليين وجدوا انفسهم في ذات الخندق مع ابوبكر البغدادي اعتقدوا انها ستكون لحظية في سبيل الاطاحة بنظام ديكتاتوري مبشرين بحتمية قدوم نظام حداثي ليبرالي متسامح يحترم التعددية الثقافية والدينية والاجتماعية السورية التي هي من بين الاكثر فرادة وتجذرا في التاريخ ليجدوا أنفسهم أمام سلطة سمت نفسها انتقالية ولكن لخمس سنوات، ولتحكم بدون دستور وبدون مجالس رقابية خمس سنوات ولا تملك أي مشروع واضح تجرؤ أن تقدمه للشعب السوري أو حتى للعالم والاقليم وحيث المصالح في سوريا تتعارض وتتباين بل وتتصارع.

وفي قائمة من عليهم أن يشعروا بالحزن والخذلان من مآلات الربيع السوري، ذلك الجناح من حركة المقاومة الاسلامية (حماس) التي راهنت على الربيع السوري بعد أن كان النظام السوري السابق هو الوحيد الذي قبل عبء تحمل وجودها في دمشق على هيئة عقوبات اميركية وغربية، فقررت دعم ما اعتبرته ربيعا سوريا ولتعلن تضامنها مع جماعة الاخوان السورية لتقوم السلطة الانتقالية في دمشق وتكافئها بمطاردة كل قيادات المقاومة الاسلامية من حماس وجهاد اسلامي التي تخوض اشرف اشكال المقاومة وانصعها في غزة ضد العدو الصهيوني وبتعلميات صهونية مباشرة وعلنية. فحماس المقاومة خسرت كل وجودها في حين تربح شيفرون الاميركية.

وأما مفارقة المفارقات على صعيد من عليه أن يشعر بالحزن جراء مآلات الربيع السوري الذي استحال اميركيا، فهي تلك الجموع الطويلة من المنتمية او الداعمة لحركة الاخوان المسلمين. ففي الوقت الذي تتولى السلطة فيه في سوريا نظام يمثل نسخة محببة منهم واليهم، يقوم هذا النظام بالانضواء في الاستراتيجية الاميركية التي تقوم بوضع تنظيم الاخوان في لبنان والاردن وفلسطين ومصر ضمن قوائم الارهاب. وحدهم اخوان سوريا لا يوضعون في قوائم الارهاب ما يجب أن يضع كل المنتمين والمتعاطفين مع الاخوان المسلمين في كل العالم في موقف المراجعة مما جرى في سوريا وفيما اذا كان ما جرى يمثل ربيعا عربيا اسلاميا سوريا أم ربيعا نفطيا امبراطوريا اميركيا وشيفرونيا.

في تاريخ العرب الطويل والمعاصر سجل طويل من الثورات التي كان وقودها الناس واهل المنطقة ولكن كان المحرك الرئيس فيها هو الغربي والاميركي والذي كان هو من يقطف الثمار ويحقق الاهداف في حين كان العربي هو من يقوم بالفعل على الارض وهو من يدفع الثمن والماسي والدموع. ففي القرن الماضي خرجت جموع العرب في المشرق لتطيح بحكم سلاطين الاتراك حالمة بربيع عربي يثمر استقلالا، ودولة، ونهضة عربية كبرى، فخرجت الجماهير وقاتلت، ودفعت الاثمان، والدماء ولكن كان سايكوس بيكو هما من يقطفان الثمار ويرسمان الخرائط ويوزعان الغنائم. وبعد ربيع العرب مطلع القرن الماضي، تناسلت فصول الربيع في العراق وليبيا والسودان واليمن وغيرها لتسفر دائما عن خيبات وتدمير للبنى المجتمعية وتكسيرا للجيوش الوطنية وليقاتل الجميع ضد الجميع في حين تبقى حقول النفط تعمل لصالح شيفرون واكسن موبل وغيرها من شركات النفط.

والى اللقاء في ربيع عربي أخر وعقود نفطية وطاقوية جديدة لشيفرون وشقيقاتها.


كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير