البيت الأبيض وسؤال الصفقة: ماذا يريد نتنياهو من واشنطن في ملف إيران؟
جو 24 :
كتب زياد فرحان المجالي -
يتجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن هذا الأسبوع في زيارة تحمل طابعًا استثنائيًا. فمحور اللقاءات هذه المرة ليس غزة ولا الضفة الغربية، بل الملف الأكثر تعقيدًا وحساسية في المنطقة: البرنامج النووي الإيراني ومسار المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن.
الزيارة تأتي في لحظة دقيقة للغاية. فالمحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران استؤنفت مؤخرًا في سلطنة عُمان، وسط أجواء توتر إقليمي متصاعد وتعزيزات عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط. وبينما تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب اختبار فرص التوصل إلى اتفاق نووي جديد يخفّض منسوب التصعيد، يصل نتنياهو إلى البيت الأبيض حاملًا رؤية مختلفة تمامًا لما يجب أن تكون عليه أي صفقة محتملة.
رؤية إسرائيلية متشددة
من وجهة نظر إسرائيل، الاكتفاء بتجميد البرنامج النووي الإيراني أو فرض قيود زمنية عليه لا يشكّل حلًا حقيقيًا. نتنياهو يريد اتفاقًا أوسع وأعمق: إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية، وقف الدعم الإيراني للفصائل المسلحة في المنطقة، وتفكيك شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران خلال السنوات الماضية في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
بالنسبة لتل أبيب، أي اتفاق لا يعالج هذه الملفات مجتمعة لا يعدو كونه "تهدئة مؤقتة” تؤجل الخطر بدل أن تزيله من جذوره.
حسابات أمريكية أكثر براغماتية
في المقابل، تميل واشنطن إلى مقاربة مختلفة وأكثر واقعية. الإدارة الأمريكية تبحث عن صفقة قابلة للتحقق سريعًا: اتفاق يجمّد البرنامج النووي لسنوات، ويمنع إيران من الاقتراب من العتبة النووية، ويخفّض احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة.
أما إدراج ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي في المفاوضات، فيراه صناع القرار الأمريكيون مخاطرة كبيرة قد تؤدي إلى إفشال المسار التفاوضي برمّته.
معركة مبكرة على شكل الاتفاق
من هنا تكتسب زيارة نتنياهو أهميتها الحقيقية. فهو يدرك أن معالم الصفقة تُرسم الآن، وأن أي تفاهم أولي بين واشنطن وطهران قد يتحول لاحقًا إلى أمر واقع يصعب تغييره. لذلك يسعى إلى التدخل المباشر للتأثير في موقف الرئيس الأمريكي قبل أن تتبلور بنود الاتفاق النهائي.
رسالة نتنياهو إلى البيت الأبيض واضحة ومباشرة: لا توقّعوا اتفاقًا يجمّد النووي فقط ويترك لإيران بقية عناصر قوتها العسكرية والإقليمية دون مساس.
لكن المشكلة تكمن في الموقف الإيراني الصلب. فطهران ترفض رفضًا قاطعًا إدراج برنامجها الصاروخي أو تحالفاتها الإقليمية على طاولة المفاوضات، وتعتبرها جزءًا من أمنها القومي غير القابل للمساومة. وهذا ما يجعل المطالب الإسرائيلية تصطدم مباشرة بسقف الممكن دبلوماسيًا.
ترامب بين خيارين متناقضين
البيت الأبيض يجد نفسه اليوم أمام رؤيتين متعارضتين:
إرضاء إسرائيل عبر تشديد الشروط ورفع سقف المطالب، وهو ما قد يؤدي عمليًا إلى انهيار المفاوضات مع إيران.
أو المضي في صفقة محدودة تحقق إنجازًا سريعًا، لكنها لا تلبي كل المطالب الإسرائيلية.
والرئيس ترامب معروف بميله إلى "الصفقات السريعة” والنتائج السياسية الملموسة، وهو ما يرجّح أن تميل كفة الاتفاق المحدود على حساب الرؤية الإسرائيلية المتشددة.
الحسابات الداخلية لنتنياهو
الزيارة تحمل أيضًا بُعدًا سياسيًا داخليًا في إسرائيل. فنتنياهو مقبل على انتخابات، ويحتاج إلى الظهور أمام جمهوره باعتباره الزعيم القادر على التأثير في القرار الأمريكي وكبح إيران.
الوقوف إلى جانب الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض يمنحه صورة قوة سياسية مهمة، حتى لو لم ينجح في فرض كل مطالبه على طاولة المفاوضات.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
لقاء واشنطن قد يقود إلى واحد من ثلاثة مسارات رئيسية:
تشديد الشروط الأمريكية
ينجح نتنياهو في إقناع ترامب برفع سقف المطالب، ما يعقّد المفاوضات وربما يؤدي إلى فشلها، وعودة سياسة الضغط الأقصى والتصعيد العسكري في المنطقة.
اتفاق نووي محدود
تمضي واشنطن في صفقة تركز على النووي فقط، مع تقديم ضمانات أمنية لإسرائيل، مثل تعزيز التعاون العسكري والاستخباري وتطوير منظومات الردع الإقليمي.
انهيار المفاوضات بالكامل
وهو سيناريو يعيد المنطقة إلى أجواء التوتر الحاد، ويجعل الخيار العسكري مطروحًا بقوة على الطاولة من جديد.
القرار في النهاية أمريكي
ورغم كل الضغوط التي يمارسها نتنياهو، تبقى الحقيقة الجوهرية أن القرار النهائي لن يكون إسرائيليًا. فالرئيس الأمريكي وحده هو من يقرر شكل الاتفاق وحدوده، وهو من يملك توقيعه أو رفضه.
ما سيجري في البيت الأبيض هذا الأسبوع لن يكون لقاءً بروتوكوليًا عاديًا، بل محطة حاسمة قد تحدد اتجاه العلاقة بين واشنطن وطهران، وربما مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.
الخلاصة
الملف الإيراني لم يعد مسألة تقنية تتعلق بعدد أجهزة الطرد المركزي أو نسب اليورانيوم المخصّب. إنه اليوم اختبار حقيقي لحدود القوة الأمريكية، ولقدرة إسرائيل على توجيه القرار الدولي، ولمدى استعداد إيران لتقديم تنازلات استراتيجية.
زيارة نتنياهو إلى واشنطن تمثل محاولة أخيرة لإعادة تشكيل ملامح الصفقة قبل أن تُكتب سطورها النهائية. لكن السؤال الذي سيبقى مطروحًا هو:
هل يمكن التوصل إلى اتفاق مستدام مع إيران دون معالجة مصادر قوتها العسكرية والإقليمية؟ أم أن المنطقة تتجه نحو تهدئة مؤقتة تمهّد لجولة صراع جديدة؟
الأيام القليلة المقبلة وحدها ستقدم الإجابة.








