وقفة مع نتائج دراسة هيئة الخدمة والإدارة العامة عن مستوى الرضا الوظيفي لدى موظفي القطاع العام في الاردن
جو 24 :
كتب د. محمد أبو غزله -
لا شك أن بيئة العمل بشكل عام، الخاصة والحكومية، تعد من الركائز الأساسية لنجاح المؤسسات العامة وقدرتها على تحقيق أهدافها التنموية والخدمية، وتؤثر بشكل مباشر في أداء الموظفين ومستوى رضاهم الوظيفي وانتمائهم المؤسسي، ومن هنا فإن ما نشر من أخبار عن نسبة الرضا لمنظومة الموارد البشرية، والصادر عن هيئة الخدمة والإدارة العامة في الأردن والمنشور في عدة مواقع حول دراسة عن مستوى الرضا الوظيفي لدى موظفي القطاع العام لتعزيز الإنتاجية، فأنا أعدّه أمرا مهما، وخاصة في ظل التحديات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والاحتراق النفسي الذي يعاني منه موظفو القطاع العام في الأردن.
ولكن، ونظرا لندرة المعلومات بسبب عدم نشر الدراسة أو بيان الجهة التي نفذت الدراسة، ولهذا فإذا كانت الهيئة هي من وجهت بإجراء الدراسة لمؤسسة أو شخص، أو هي نفسها من قامت بإجراء الدراسة، فإنه وانطلاقا من موروثنا الشعبي: «لا أحد يقول عن زيته عكر»، هذا إذا كانت الهيئة هي من قامت بإجراء هذه الدراسة أو وجهت الجهة المنفذة للدراسة وهنا تبرز إشكالية مصداقية نتائج دراسات رضا الموظفين عندما تقوم المؤسسة الحكومية نفسها، ولا سيما أنها الجهة المسؤولة عن رسم السياسات والتخطيط وتنظيم الموارد البشرية، بإجراء هذه الدراسات ونشرها، إذ لا بد وأن ينشأ تضارب محتمل في المصالح بين دور التقييم ودور التوجيه والتنفيذ الذي يتم داخل مؤسسات القطاع العام، الأمر الذي قد يؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى توجيه نتائج الدراسة بما يخدم صورة المؤسسة أو يدعم قرارات سابقة، بدلا من تقديم تقييم موضوعي يعكس الواقع الفعلي لبيئة العمل من اجل تطويرها.
ولأن الجهة التي تقوم بالتقييم وإجراء الدراسة هي نفسها المسؤولة عن السياسات والممارسات محل التقييم كما أسلفنا، فهذا ينعكس على تصميم أدوات القياس وصياغة الأسئلة والمؤشرات ووضع الأوزان بطريقة موجهة أو غير متوازنة وبشكل متحيز، وتكون الصياغة إيجابية أو أسئلة موجهة، أو يتم إغفال محاور حساسة مثل العدالة في الترقيات أو ضعف القيادة الإدارية، أو الاعتماد على مؤشرات عامة وغير دقيقة، مما قد يؤدي إلى نتائج سطحية لا تعكس مشاعر الموظفين الحقيقية ولا تعكس الواقع الفعلي لبيئة العمل إضافة إلى ضعف صراحة الموظفين في التعبير عن آرائهم الحقيقية خوفا من المساءلة في البيئات الحكومية، وبالتالي يتردد الموظفون في التعبير عن آرائهم الحقيقية خشية المساءلة أو التأثير السلبي على تقييمهم الوظيفي أو مسارهم المهني، حتى في حال التأكيد على سرية الاستبيانات وهذا الخوف الضمني قد يؤدي إلى إجابات مجاملة أو محايدة، مما يرفع نتائج الرضا بشكل غير واقعي، وهذا في العادة ما يتم في المؤسسات الحكومية التي تجري دراسات الرضا مما يفضي إلى نتائج إيجابية شكلية لا تعكس الواقع الفعلي لبيئة العمل.
ناهيك عن طريقة التحليل في اختيار عينة غير ممثلة لكافة الموظفين، أو استبعاد فئات معينة تعاني من مشكلات وظيفية أكبر كما قد يحدث انتقائية في تحليل البيانات أو عرض النتائج، مثل التركيز على المؤشرات الإيجابية وإهمال النتائج السلبية، أو عرض المتوسطات العامة دون التطرق إلى التفاوت بين الوزارات والمؤسسات أو الفئات الوظيفية والبيئات الاجتماعية.
ولعل ما كشفت عنه بعض نتائج هذه الدراسة التي تم نشرها من أن نسبة الرضا الوظيفي لموظفي القطاع العام قد بلغت (77%)، مع أن مؤشرات نسبة الاندماج الوظيفي وصلت إلى (69%)، وأن (13) مؤشرا حقق نتيجة أعلى من (60%)، مثل مؤشر التوظيف القائم على الإعلان العام، والالتزام التنظيمي، والدافعية للعمل، والقيادة القائمة على القيم الأخلاقية، والتوجيه الوظيفي (التهيئة)، والتدريب، في حين كانت نتائج (4) مؤشرات ضمن مدى (50–60%)، وأبرزها دعم الرفاه الوظيفي وأداء وحدات الموارد البشرية، فيما كانت نتائج (6) مؤشرات دون (50%)، أبرزها تعزيز الرفاه الوظيفي، والتوازن بين الحياة الشخصية والمهنية، والشعور بالتوتر، والتقييد المفرط بسبب القواعد والضوابط.
ولعل هذه المؤشرات تكشف عدم صدقية نسبة الرضا العامة، لأنها هي النتائج التي يجب أن تكون محورا أساسيا لقياس الرضا، الوظيفي كما أنها تتعارض مع الواقع العملي الذي يلمسه الموظفون والمجتمع، خاصة في ظل القناعة والواقع المعاش في المؤسسات من وجود فجوة بين ما توصلت له الدراسة من نتائج منشور بعضها وبين الواقع العملي، وخاصة أيضا في ظل غياب وجود جهة محايدة مشهود لها بالعلمية تراجع مثل هذه الدراسات، ولهذا فإن بعض ما نشر من نتائج لهذه الدراسة هو الوجه الآخر للدراسات غير الموثوقة التي تجرى من بعض المراكز والمجالس المختلفة عن الثقة بالحكومات او الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
كما تشير النتائج المنشورة التي توصلت إليها الهيئة في هذه الدراسة إلى أن هناك انتقالا نوعيا في آلية الاستقطاب والتعيين والترقية المستندة إلى الكفايات والفرص العادلة للتنافس المفتوح، حيث تم تحقيق نسبة تعيين حقيقية من خلال الإعلان المفتوح بلغت (70%) من إجمالي التعيينات هذه الآلية التي تفسدها المقابلات ، و(100%) من إجمالي الترقيات لوظائف الإدارة الوسطى والتي تتم بالسلطة المطلقة للرئيس المباشر، لكنها لم تتطرق للأثار النفسية والسلبية على الذين تم حومانهم من الترقية بسب السلطة المطلقة والتي هي مفسدة مطلقة بيد الرئيس المباشر ولا إلى الآثار التي راتبها هذه السياسات والمطالب الشعيبية والنيابية التي تطالب بالعودة الى تنظيم الدور مع اجراء الاختبارات ولم تتطرق أيضا إلى الإدارة العليا، والتي حتما ستنحدر قيم ونسب كل المؤشرات فيها الا اذا كان الهدف ان نقول أن أداء القطاع العام تحسن فجأة بسبب من نفخة الولي الذي وضع هذه السياسات مع أنى من انصار الكفاءة والجدارة المبنية على أسس علمية وليس فجة.
ومن هنا فإن توجيه الهيئة لمُعدّي الدراسة، أو تصدي المؤسسة نفسها لقياس رضا العاملين التي تشرف عليهم إشرافا غير مباشر، ولكنها تعتمد على مصداقية المؤسسات في إعطائها النتائج وتوزيع أسئلة الدراسة، أو حتى اختيارها لموظفين من قاعدة البيانات يكونوا معروفين، وبالتالي لا يمكن أن يعرضوا أنفسهم للمساءلة، وعليه تتفاقم هذه الإشكالية في الاستجابة، خاصة في حال غياب المراجعة المستقلة والشفافية المنهجية، أو تجاهل مؤشرات الأداء الواقعية مثل وضع مؤشرات أو أسئلة عن مستوى الرضا عن الرواتب، وعن الرضا عن طبيعة العمل والمهام، وعن أسلوب الرئيس المباشر في التعامل معهم، ومستوى المشاركة في صنع القرار، ووضع التوجيهات والتعليمات، وعدالة التقييمات، وتكافؤ الفرص في الدورات والترفيعات والترقيات، وبيئة العمل المادية والاجتماعية والنفسية، والرغبة في الاستمرار في العمل لو توفرت فرصة أفضل، وعن توفير الاحتياجات الفنية والتقنية، ومستوى السلامة العامة في البيئة، ومستوى الانتماء المؤسسي، وعن ساعات الدوام، وعن مواقف السيارات التي يحرمون منها، وتدني الدخل واثره على أدائهم ونفسيتهم، أو الغياب والدوران الوظيفي، والشكاوى الإدارية.
كما هل تم سؤال فئات من الموظفين والمعلمين في مدن وريف وبادية ومخيمات، وفي مؤسسات ومدارس وبيئات تعليمية وخلفيات اجتماعية واقتصادية وغيرها؟ فهل تم السؤال عنها حتى نقول إن نتائج الدراسة علمية وأن المنهجية علمية؟ لاسيما أن هذه العناصر والأسئلة هي التي تشكل الرضا لدى الموظفين عن بيئة العمل فإذا كان ذلك كذلك؟، لماذا لم تنشر نتائج هذه الأسئلة والمؤشرات؟ والسؤال الأهم: هل تعتقد أن نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم (33) لسنة 2024 وتعديلاته لعام 2025، والذي تم تعديله وولد ميتًا ثم نُفخ فيه، يمكن تقييمه الآن حتى نقول إن نتائج منظومة مؤشرات الموارد البشرية أظهرت أن نسبة الرضا الوظيفي لدى موظفي القطاع العام وبلغت (77%)؟ علما بأن الرضا الوظيفي لا يختزل برقم.
ومن هنا عندما تتناقض النتائج المعلنة مع التجربة اليومية للموظفين تتسع الفجوة بين السياسات والهندسة الحكومية والواقع العملي، الأمر الذي يضعف الثقة المؤسسية ويحد من فاعلية هذه الدراسات كأداة حقيقية للإصلاح والتطوير، كما أنه يطرح تساؤلات عديدة عن الأغراض الإعلامية والترويجية لإظهار تحسن بيئة العمل أو نجاح السياسات الحكومية دون أن يرافق ذلك خطط إصلاح حقيقية لمعالجة جوانب القصور، وهذا بالطبع يؤدي إلى تقويض الهدف الأساسي من دراسات الرضا، وهو التطوير والتحسين المستمر.
إن تحسين بيئة العمل الحكومي في الأردن يعد استثمارا استراتيجيا في رأس المال البشري، ويسهم في رفع مستوى رضا العاملين وتعزيز كفاءتهم وإنتاجيتهم، كما ينعكس ذلك إيجابًا على جودة الخدمات العامة وثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبني سياسات إدارية مرنة، وتعزيز ثقافة العدالة والتحفيز، وتطوير بيئة عمل حقيقية داعمة تحقق التوازن بين متطلبات العمل واحتياجات الموظفين كما أن إجراء دراسات رضا الموظفين من قبل الجهات الحكومية نفسها ليس أمرا مرفوضا بحد ذاته، إلا أن مصداقية هذه الدراسات تبقى مرهونة بمدى استقلاليتها وشفافيتها ومنهجيتها العلمية، وفي حال غياب هذه العناصر قد تتحول الدراسات من أداة تشخيص وإصلاح إلى أداة تبرير وتجميل، الأمر الذي ينعكس سلبا على ثقة الموظفين ويضعف فرص تطوير بيئة العمل الحكومي بشكل حقيقي ومستدام.








