الضمّ بلا إعلان: كيف تُدفن السلطة الفلسطينية واقفة؟
جو 24 :
خارج النص- كتب حلمي الأسمر
إذا استمرت القرارات الإسرائيلية الأخيرة التي تفتح الطريق أمام المستوطنين لاستباحة الضفة الفلسطينية بكل تقسيماتها أ و ب وج على هذا المسار، فإن السيناريو الأول هو تحوّل السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري منزوع السيادة، يحتفظ بالشكل ويفقد الجوهر. تبقى الوزارات، وتستمر الرواتب إن توفّر التمويل، لكن التخطيط العمراني، وضبط الأرض، وإدارة السجلات، والقدرة على منع التمدد الاستيطاني تصبح خارج يدها. في هذا السيناريو لا تُعلن إسرائيل إلغاء السلطة، بل تفرغها تدريجيًا من مضمونها حتى تصبح أشبه ببلدية كبيرة تدير شؤون السكان بينما تُدار الأرض فعليًا من قبل الإدارة المدنية الإسرائيلية. النتيجة هنا ليست انهيارًا دراميًا، بل تآكل بطيء يُعيد تعريف السلطة من مشروع سياسي إلى جهاز خدمات تحت سقف الاحتلال.
السيناريو الثاني هو الانهيار المتسارع نتيجة صدمة سياسية أو مالية. إذا فُقدت مصادر التمويل، أو حدثت مواجهة شعبية واسعة، أو توقفت الأجهزة الأمنية عن أداء دورها، فقد تدخل الضفة الغربية مرحلة فراغ مؤسسي. في هذه الحالة تعود إسرائيل إلى إدارة مباشرة أوسع كما كان الحال قبل اتفاق أوسلو، مع تكاليف أمنية واقتصادية مرتفعة عليها، واحتمال تصاعد الاحتكاك اليومي في المدن الكبرى مثل نابلس والخليل ورام الله. هذا السيناريو يحمل مخاطر فوضى داخلية، وصعود قوى محلية مسلحة، وتآكل البنية المدنية التي تشكلت خلال ثلاثة عقود.
السيناريو الثالث يتمثل في إعادة تشكيل السلطة لا إسقاطها، أي تحويلها إلى شريك أمني محدود الصلاحيات ضمن واقع ضمّ فعلي غير معلن. في هذا المسار قد تُبقي إسرائيل على التنسيق الأمني لأنه يخدم استقرارها، لكنها تُحكم قبضتها على الأرض والتخطيط والسجلات، ما يجعل الحديث عن "حل الدولتين” أقرب إلى إطار دبلوماسي منه إلى مشروع قابل للتنفيذ. هنا يتحول الصراع من سؤال سيادة إلى سؤال حقوق مدنية: إذا ضُمّت الأرض فعليًا دون منح السكان حقوقًا كاملة، فإن المعركة تنتقل تدريجيًا إلى خطاب المساواة والحقوق السياسية بدل خطاب الدولة المستقلة.
السيناريو الرابع يرتبط بتغيرات إقليمية أو دولية تعيد خلط الأوراق. ضغوط أمريكية أو أوروبية حقيقية، أو تحولات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، أو إعادة ترتيب أولويات المنطقة بعد أزمات كبرى، قد تفرض تجميدًا أو إعادة تفاوض على بعض الخطوات. هذا الاحتمال ليس مستحيلًا تاريخيًا، لكنه يتطلب إرادة سياسية خارجية وداخلية لم تظهر بقوة حتى الآن. في هذه الحالة قد تُعاد السلطة إلى موقع تفاوضي ما، لكن ضمن شروط مختلفة تمامًا عما كان قائمًا في تسعينيات القرن الماضي.
السيناريو الخامس، وهو الأكثر عمقًا على المدى الطويل، هو تحوّل القضية من صراع على حدود إلى صراع على تعريف النظام بين النهر والبحر. إذا تلاشت إمكانية الفصل الجغرافي بين كيانين، فإن الواقع الديموغرافي والقانوني سيفرض سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام دولة واحدة بنظامين قانونيين مختلفين، أم أمام عملية إعادة تعريف شاملة لبنية الحكم؟ في هذا الإطار قد لا تكون نهاية السلطة الفلسطينية حدثًا بحد ذاته، بل محطة في انتقال أكبر يعيد صياغة طبيعة الصراع كله.
في المحصلة، نهاية السلطة ليست قرارًا يُعلن في مؤتمر صحفي، بل هو مسار يتشكل عبر سحب الصلاحيات، وإعادة توزيع السيطرة، وتبدل وظيفة المؤسسات. السؤال الحقيقي ليس هل تنتهي، بل ماذا سيحل محلها، ومن يملأ الفراغ السياسي إن حدث، وكيف سيُعاد تعريف العلاقة بين الأرض والسكان والقانون في الضفة الغربية خلال السنوات القادمة.
والأهم من كل هذا ...
ماذا سيفعل الاردن تحديدا حينما تبدأ الهجرات المتدرجة بالتصاعد متوجهة إلى الضفة الشرقية!؟








