الصهيونية والإسرائيلية : الحلم الكاذب والمستقبل المرير
جو 24 :
كتب د. لبيب قمحاوي
البداية كانت فكرة شيطانية على شكل حلم صهيوني استقى حكاياته من جذور وهمية وخرافات تاريخية هدفت إلى تحويل ذلك الخيال اليهودي إلى فكرة وحلم سياسي صهيوني ومن ثم إلى واقع إسرائيلي, وهكذا كان . ومضت السنون واكتسب الواقع الإسرائيلي بحكم الدعم الأمريكي والغربي المزيد من القوة والنفوذ على حساب الحلم الصهيوني الملئ بالأوهام والأكاذيب المدعومة بسياسات ومصالح القوى الدولية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية, وكل ذلك كان بالنتيجة على حساب الشعب الفلسطيني.
كانت العقيدة الصهيونية في البداية هي الأساس وهي منطلق التعبير السياسي الإيديولوجي عن فكرة الدولة اليهودية. وقد استمر هذا الحال طوال الحقبة الأولى من فترة استعمار فلسطين ولكنها أخذت في التراجع لحساب المواطنة والهوية الإسرائيلية. إذ كلما أخذ الاستيطان مداه الجغرافي والسياسي وكلما ازداد عدد السكان الإسرائيلين وشحت الموارد إزدادت صعوبة فرص الحصول على الأرض والمسكن أمام المهاجرين اليهود الجدد. واستمر ذلك طرديًا مع نمو الدولة الإسرائيلية وازدياد عدد سكانها الطبيعي إلى الحد الذي أصبح فيه موضوع استيعاب المزيد من المهاجرين يتم على حساب رفاهية السكان اليهود مما دفع المزيد من الإسرائيلين نحو اليمين المتطرف بهدف استيطان المزيد من الأراضي الفلسطينية التي تم احتلالها في عام 1967 بعد أن تم ابتلاع وهضم معظم الأراضي المحتلة عام 1948 وذلك بهدف تمكين إسرائيل من إستعاب المزيد من المهاجرين اليهود بالإضافة إلى التخلص من سكان فلسطين العرب. وقد دفعت صعوبة تطبيق هذه السياسة والزيادة الطبيعية في عدد الإسرائيلين إلى تَوَلدُّ تيار إسرائيلي يعطي الأولوية للسكان الإسرائيليين على حساب المهاجرين اليهود الصهيونيين.
إن النمو السكاني الإسرائيلي سوف يُجَابَه بالنتيجة بجدار سياسي وإقليمي ودولي متنامي في قوته ضد الإستيطان مما سوف يؤدي بالتالي إلى صعوبة استيعاب أية ممارسة على نطاق واسع لحق العودة ليهود العالم إلى "أرض الميعاد" أي فلسطين كما هو قائم بشكله الحالي المفتوح أمام يهود العالم. وسوف يرافق ذلك تغيير أساسي في تعريف المواطنة الإسرائيلية وحق العودة المرتبط بالعقيدة الصهيونية. فالإسرائيلية سوف تصبح هي أساس المواطنة والحقوق المرتبطة بها, وليس اليهودية أو الصهيونية بألوانها وأشكالها وأصولها المختلفة. وهذا الأمر قد يجعل بالنتيجة حق العودة ليهود العالم مُقيَّدًا وليس مفتوحًا كما هو عليه الحال الآن.
وهكذا فإن ما نحن بصدده إذًا هو سيادة "الإسرائيلية" كهوية سياسية على "الصهيونية" كعقيدة سياسية. وهذه هي "الإسرائيلية الجديدة" التي سوف تسود في المستقبل وتُحَوِّل الصهيونية التقليدية من عقيدة قائدة إلى إطار خلفي داعم للدولة الإسرائيلية عوضًا عن كونها إطارًا حاكمًا لمسارها. فالإطار الحاكم لمسار الدولة الإسرائيلية الآن سوف يعكس المصالح المتعلقة بالدولة الإسرائيلية ومصالح مواطنيها وليس متطلبات أو وجهة نظر الحركة الصهيونية وهي بذلك تسعى إلى تعزيز مصالح الدولة الإسرائيلية بغض النظر عن مصالح الصهيونية في العالم مما سوف يحول الإسرائيلين اليهود إلى "عبرانيين جدد" تمثلهم الدولة الإسرائيلية و"الإسرائيلية الجديدة" وليس الصهيونية واليهودية العالمية.
من الخطأ تفسير البعض لذلك التحول بأنه لصالح الفلسطينيين. فالموضوع هو يهودي إسرائيلي لا يتعلق بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. فالإسرائيليون قد يختلفوا فيما بينهم على قضايا متعددة تتعلق حصرًا بالإسرائيليين في حين أن هنالك شبه إجماع إسرائيلي على الموقف العدائي تجاه الفلسطينيين.
إن هذا التغيير سوف يؤدي إلى تغيير واضح, و إن كان تدريجيًا, في السردية التقليدية اليهودية والمرتبطة بالسردية الصهيونية الحالمة. وهذا التغيير من شأنه أن يؤثر على السردية الفلسطينية التقليدية والتي حكمت مسار القضية الفلسطينية من وجهة نظر الفلسطينيين والتي يجب أن تُعاد صياغتها لتتناسب والمتغيرات العملية والإيدولوجية والسياسية التي ابتدأت تحكم مسار الدولة الإسرائيلية, والسبب في ذلك أن القضية الفلسطينية الآن ليس لها جانب واحد وهو الفلسطينيين, وهذا كان دائمًا محور السردية الفلسطينية التقليدية والتي تؤكد فقط على ما يريده الفلسطينيون ومتجاهلين طوال الوقت التطورات التي جعلت من الإسرائيليين قوة موجودة فعليًا على أرض فلسطين المحتلة منذ عام 1948 حتى وإن كان ذلك من خلال استعمال القوة العسكرية. فالسردية الفلسطينية الجديدة عليها أن تراعي التغييرات الجيوسياسية الجديدة والتي جعلت القضية الفلسطينية في واقعها الجديد محكوم عليها أن تجابه الخطر العسكري والسياسي الإسرائيلي المتنامي من جهة واستعداد إسرائيل وحلفائها كما أثبتت الحرب الأخيرة على غزة لإستعمال القوة المفرطة وسياسة القتل والإبادة والتدمير الجماعي للفلسطينيين دون أي إعتبار للرأي العام العالمي.
لقد فشل الفلسطينيون منذ عام 1948 في استقطاب حلفاء أقوياء لمساندتهم في حين نجح الإسرائيليون في ذلك. وفشل الفلسطينيون في إضافة المرونة اللازمة على سرديتهم التقليديةالتي أصرت طوال الوقت على المطالبة بعودة كامل الأرض الفلسطينية وإلغاء دولة إسرائيل مما يعني أن هذه السردية الفلسطينية الصفرية قد فشلت في التجاوب مع المتغيرات الإقليمية والدولية مما جعلها حملًا ثقيلًا على كل من يتعاطف معها من غير الفلسطينيين, والأهم من ذلك أن السردية الفلسطينية التقليدية خاطبت نفسها ولم تفعل كما فعل الصهاينة في مخاطبتهم للعالم. بالإضافة إلى ذلك اعتمد الفلسطينييون في سرديتهم التقليدية بالتركيز على مخاطبة البعد الإنساني و الحق التاريخي بدلًا عن التركيز على حقهم في النضال من أجل تقرير المصير وعدم التركيز على الجري وراء المساعدات الإنسانية مثل التي تأتي من خلال وكالة الغوث.
بالنسبة للعالم العربي فإن الخطورة تكمن في المستقبل. ومع أن المستقبل هو في العادة نتاج للحاضر إلا أن الحاضر متحرك سواء إيجابًا أم سلبًا. واذا ما استمر العرب على ما هم عليه أو أسوأً, فسوف يأتي اليوم الذي تسود فيه اسرائيل على العالم العربي بأراضيه ومياهه ونفطه وغازه وثرواته الطبيعية. واذا ما اعتبر بعض العرب أن اسرائيل هي مشكلة الفلسطينيين حصرًا وأن إسرائيل يمكن أن تصبح حليفًا سواء من خلال اتفاقات سلام أو الإنخراط في النهج الإبراهيمي والتطبيع المجاني فهو تفكير في قمة السذاجة.
اسرائيل هي مشكلة عربية و قريبًا سوف تصبح أيضًا مشكلة شرق أوسطية. هذه هي الحقيقة التي يجب أن لا تغيب عن ذهن أحد.
ابتعلت إسرائيل الارض الفلسطينية كاملة بالقوة الغاشمة وبمساعدة أمريكا, ولكنها فشلت في إبتلاع الشعب الفلسطيني وإلغاء وجوده مهما إستعملت من قوة وحشية. وهذا الأمر يجعل من الفلسطينيين العدو الأبدي لإسرائيل والنقيض الفعلي لإدعاء اسرائيل بأن فلسطين هي أرض يهودية. ولو وَفّرَ العرب الدعم الحقيقي المادي والعسكري للفلسطينيين لما وصلت السكين الإسرائيلية إلى العنق العربي كما هو عليه الحال الآن. فأطماع اسرائيل بعد احتلال كامل الأرض الفلسطينية امتدت لتشمل الدول العربية المجاورة لفلسطين بهدف السيطرة عليها من خلال تفتيتها إلى دويلات طائفية ومذهبية أو السيطرة عليها بطريقة أو بأخرى.
المشكلة الآن لم تعد محصورة بفلسطين أو الفلسطينيين. فالعرب قد استسلموا لواقع إحتلال فلسطين من خلال معاهدات السلام والتطبيع المجاني والنهج الابراهيمي. المشكلة الآن أصبحت في واقعها مشكلة عربية مهما حاولت بعض الدول العربية استعمال طوق النجاة من خلال تغيير صفتها إلى دول خليجية أو دويلات طائفية أو مذهبية.
المطامع الاسرائيلية لا حدود لها. فإحتلال فلسطين كان بالنسبة للإسرائيليين هو مرحلة التأسيس. أما ما يجري الآن فهو مرحلة التوسع من خلال تدمير القومية العربية واستبدال الهوية العربية والإنتماء العربي بهويات جغرافية أو طائفية أو مذهبية تؤدي إلى تذويب العروبة وتحويلها إلى عدو للهوية القطرية السائدة الآن في العالم العربي واعتبار خطرها اكبر من خطر اسرائيل على تلك الهويات القطرية أو المذهبية العربية خصوصًا في الدول أو الكيانات العربية الصغيرة والغنية.
سوف تثبت الأجيال القادمة أن الشعب الفلسطيني هو الأمل في وضع حد للأطماع الإسرائيلية المستقبلية. فالفلسطينيون شعب مقاتل منذ بداية القرن الماضي وحتى الآن. وهذه الروح القتالية تعكس الرفض الفلسطيني للإحتلال الاسرائيلي جيلًا بعد جيل, الامر الذي يعكس الرفض الفلسطيني لوجود اسرائيل, وإلى أن يتم ذلك رفض الخطط و الأطماع الاسرائيلية في المنطقة وفي العالم العربي باعتبارها تعبيرًا عن واقع الاحتلال الاسرائيلي ومرتبطة به.








