jo24_banner
jo24_banner

مأسسة العمل التطوعي الرقمي في المنظومة التعليمية الأردنية: تجربة مديرية التربية والتعليم للواء الشونة الجنوبية ومنصة "نحن" الوطنية

مأسسة العمل التطوعي الرقمي في المنظومة التعليمية الأردنية: تجربة مديرية التربية والتعليم للواء الشونة الجنوبية ومنصة نحن الوطنية
جو 24 :
 شادي نبيل - تشهد الساحة التربوية الأردنية تحولاً استراتيجياً نحو تعزيز قيم المواطنة الفاعلة من خلال مأسسة العمل التطوعي وتوظيف التكنولوجيا الرقمية لخدمة الأهداف التنموية الوطنية.
وفي هذا الإطار، يأتي الحراك الأخير في مديرية التربية والتعليم للواء الشونة الجنوبية كنموذج ريادي يترجم الرؤى الملكية السامية في تمكين الشباب وتوجيه طاقاتهم نحو البناء المجتمعي المنظم.
من خلال الجلسة التعريفية التي عُقدت لضباط ارتباط منصة "نحن" الوطنية للتطوع والمشاركة الشبابية في مدرسة خديجة بنت خويلد الأساسية المختلطة، التي لا تمثل مجرد لقاء تدريبي تقني، بل هي لبنة أساسية في مشروع وطني يهدف إلى صياغة هوية جيل جديد يؤمن بالعطاء الموثق والأثر المستدام.
حيث عقدت المبادرة بتوجيهات مباشرة ومتابعة حثيثة من مديرة التربية والتعليم للواء الشونة الجنوبية، الأستاذة لبنى فرحان العدوان، التي تضع في مقدمة أولوياتها مواءمة المخرجات التربوية مع المهارات الحياتية اللازمة للقرن الحادي والعشرين.
وبإشراف فني من مدير الشؤون التعليمية، الأستاذ هزاع الحناوي، تم رسم خارطة طريق لدمج المنصة ضمن الأنشطة المدرسية اليومية، لضمان ألا يظل التطوع نشاطاً هامشياً، بل جزءاً أصيلاً من السجل الأكاديمي والمهاري للطالب.
وتتجلى كفاءة الإدارة التربوية في لواء الشونة الجنوبية من خلال قدرتها على الربط بين الخطط الاستراتيجية والتنفيذ الميداني. بإشراف الأستاذ هزاع الحناوي على هذا الملف الذي يعكس إدراكاً عميقاً بأن التحول نحو التطوع الرقمي يتطلب تكاملاً بين الجوانب الفنية والتعليمية، حيث يتم تحويل المبادرات الطلابية إلى بيانات رقمية قابلة للقياس والتقييم.
وفي الوقت نفسه، يبرز الدور التنفيذي لرئيس قسم النشاطات التربوية، الأستاذ هيثم السعايدة، الذي يتولى الإشراف المباشر على تفعيل هذه النشاطات في الميدان، محولاً التوجيهات الإدارية إلى فرص حقيقية تلامس احتياجات البيئة المدرسية والمجتمع المحلي.
بالإضافة إلى التنسيق النوعي الذي تقوده ضابط ارتباط المديرية لمنصة "نحن"، شيرين طايل العدوان، والذي يمثل حلقة الوصل الحيوية بين مؤسسة ولي العهد ومنظمة اليونيسف من جهة، وبين المدارس في اللواء من جهة أخرى. والذي يتطلب فهماً تقنياً وقدرة على التواصل المؤسسي لضمان وصول الرسالة التدريبية لجميع ضباط الارتباط في المدارس، وهو ما تجسد في نجاح الورشة التعريفية التي احتضنتها مدرسة خديجة بنت خويلد.
وتعتبر منصة "نحن" (Nahno)، التي أطلقت في عام 2019 بمبادرة من مؤسسة ولي العهد وبالتعاون مع وزارة الشباب ودعم من اليونيسف، المنصة الوطنية الرسمية الوحيدة في الأردن التي تُعنى بتوثيق وتنظيم العمل التطوعي.
وتهدف المنصة إلى معالجة الفوضى في الجهود التطوعية من خلال توحيدها في قالب رقمي يسمح باحتساب ساعات العمل التطوعي بشكل رسمي وموثق، مما يمنح المتطوعين ميزة تنافسية عند التقدم للجامعات أو سوق العمل.
أما من الناحية الهيكلية، تهدف المنصة إلى تعزيز المسؤولية المجتمعية لدى الشباب من جميع الأعمار، وتستهدف بشكل خاص من يظهر اهتماماً حقيقياً بتنمية مجتمعه ووطنه.
وخلال الجلسة التدريبية في الشونة الجنوبية، أوضح المهندس مهند عطاري أن المنصة ليست مجرد موقع إلكتروني، بل هي منظومة تربوية متكاملة تهدف إلى تطوير مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل القيادة، والتواصل، وإدارة المشاريع، وحل المشكلات.
وتشير الإحصائيات الوطنية إلى أن المنصة حققت قفزات نوعية منذ انطلاقها، حيث تجاوز عدد المتطوعين المسجلين 200 ألف شاب وشابة، ساهموا بأكثر من 6 ملايين ساعة تطوعية في مختلف القطاعات. مما يعكس حجم الطموح الذي يسعى ضباط الارتباط في لواء الشونة الجنوبية لتحقيقه من خلال استثمار طاقات طلابهم في 48 مدرسة منتشرة في اللواء.
وتعد وظيفة ضابط الارتباط في المدرسة، والتي غالباً ما تسند لمعلمي الحاسوب أو المنسقين الإداريين، بمثابة المحرك التقني لمبادرة "نحن" داخل أسوار المؤسسة التعليمية. فخلال الورشة التعريفية، تم التركيز على ضرورة امتلاك كل مدرسة لبريد إلكتروني رسمي مفعل على المنصة، لضمان دقة التواصل والاعتماد.
وتتلخص المهام التقنية التي تم استعراضها في النقاط التالية:
أولاً، إدارة الحسابات والبيانات: حيث يتعين على ضابط الارتباط مساعدة الطلاب الذين تزيد أعمارهم عن 13 عاماً في إنشاء حساباتهم الخاصة، مع مراعاة دقة البيانات الشخصية لضمان إصدار شهادات صحيحة.
ثانياً، صناعة الفرص التطوعية: وهي عملية تحويل الأنشطة المدرسية الروتينية إلى "فرص" معلنة على المنصة، تتضمن وصفاً للمهام، والمهارات المكتسبة، وعدد الساعات المتوقعة.
ثالثاً، الرصد والتقييم: حيث يقع على عاتق ضابط الارتباط اعتماد الساعات التطوعية للطلاب بعد إتمامهم للنشاط، والتأكد من التزامهم بميثاق التطوع الذي تفرضه المنصة لضمان جودة العمل وحقوق المتطوع.
بالإضافة إلى استخدام منصات حديثة مثل "كروم" أو "فايرفوكس" كمطلب تقني أساسي لضمان عمل واجهة المنصة بكفاءة، وهو ما تم التنبيه إليه خلال الجلسة التدريبية لضمان عدم مواجهة ضباط الارتباط لأية عوائق تقنية أثناء إدخال البيانات.
فيما تتنوع الفرص التي تتيحها منصة "نحن" لتشمل ثماني مجالات رئيسية، تم تصميمها بعناية لتتناسب مع أهداف التنمية المستدامة.
وفي لواء الشونة الجنوبية، تكتسب بعض هذه المجالات أهمية خاصة نظراً للطبيعة الجغرافية والاجتماعية للمنطقة أبرزها :
1.المجال التعليمي:حيث يمكن لطلاب المراحل العليا التطوع في برامج دروس التقوية لزملائهم في المراحل الأساسية، أو المساهمة في تنظيم المكتبة المدرسية.
2.المجال البيئي: نظراً لكون منطقة الشونة الجنوبية منطقة زراعية، تبرز أهمية مبادرات التشجير، والحفاظ على الموارد المائية، وإعادة تدوير المخلفات المدرسية.
3.المجال الصحي: كالمشاركة في حملات التوعية الصحية التي تنظمها المديرية بالتعاون مع المراكز الصحية، خاصة في مواضيع التغذية والوقاية من الأمراض.
4.مجال المساعدة الإنسانية: كتنظيم حملات لجمع التبرعات العينية (مثل الحقيبة المدرسية أو الملابس الشتوية) وتوزيعها على الأسر المحتاجة في اللواء.
5.المجال الفني والثقافي: استثمار مواهب الطلاب في تزيين جدران المدارس بالرسومات الهادفة أو تنظيم الفعاليات المسرحية الوطنية.
كما أن القيمة المضافة التي تقدمها منصة "نحن" تتجاوز مجرد التنظيم التقني؛ فهي تساهم في بناء "الرصيد الوطني" للشباب. من الناحية النفسية، كما يساهم التطوع في اكتشاف الذات وتطوير الشعور بالانتماء، وهو ما أكدته شهادات المتطوعين الفائزين بجائزة الحسين بن عبد الله الثاني للعمل التطوعي، حيث وصفوا التطوع بأنه "حياة" تمنحهم هدفاً وتساعدهم في اكتشاف مواهبهم الكامنة.
أما بالنسبة لطلاب مدارس لواء الشونة الجنوبية، فيمثل توثيق ساعات التطوع على المنصة اعترافاً رسمياً بجهودهم، مما يعزز من ثقتهم بأنفسهم.
كما أن الحصول على شهادة مختومة ومعتمدة من "نحن" وشركائها (اليونيسف ووزارة الشباب) يمثل حافزاً معنوياً كبيراً يتجاوز المكافآت المادية.
وتتيح المنصة للشباب فرصة توسيع شبكاتهم الاجتماعية والتعرف على أشخاص ومنظمات خارج حدود منطقتهم الجغرافية، مما يفتح أمامهم آفاقاً جديدة للمستقبل.
علاوة على ذلك، فإن دمج التطوع ضمن المسار التعليمي يساهم في تقليل السلوكيات السلبية بين المراهقين من خلال استثمار أوقات فراغهم في أعمال تعود بالنفع على المجتمع وربط الطالب بمهام تطوعية محددة يعلمه قيمة "إدارة الوقت" والالتزام بالمواعيد، وهي سمات أساسية للنجاح في الحياة العملية.
ولا يمكن فصل نجاح مبادرة منصة "نحن" عن الجاهزية العامة لمديرية التربية والتعليم في اللواء. ففي إطار استعداداتها المستمرة للعام الدراسي، تبذل المديرية جهوداً كبيرة في صيانة وتطوير المرافق المدرسية لضمان بيئة تعليمية آمنة ومحفزة.
وتشير التقارير إلى تخصيص مبالغ كبيرة (تجاوزت 867 ألف دينار) لأعمال الصيانة وإضافة الغرف الصفية وتحديث المشاغل المهنية في مدارس اللواء، مثل مدرسة ماجد العدوان الثانوية ومدرسة الكرامة الثانوية للبنات.
هذه الجاهزية الإنشائية، التي تشمل تحديث مختبرات الحاسوب، وتوفر البنية التحتية اللازمة لضباط الارتباط والطلاب للتعامل مع منصة "نحن" بكل سهولة.
كما أن المديرية تحرص على تأمين القرطاسية والأثاث والكوادر البشرية اللازمة، مما يخفف الأعباء الإدارية عن المعلمين ويسمح لهم بالتركيز على جودة الأنشطة اللاصفية.
ولقد كان اختيار مدرسة خديجة بنت خويلد الأساسية المختلطة لعقد هذه الجلسة التعريفية اختياراً موفقاً يعكس الدور الريادي للمدرسة في احتضان الفعاليات التربوية المركزية.
فحسن الاستقبال الذي أبدته مديرة المدرسة، الأستاذة عبير العجوري، وتوفيرها للتجهيزات الفنية اللازمة، ساهم في إيجاد أجواء إيجابية مكنت المهندس مهند عطاري من إيصال المادة التدريبية بفعالية.
إن ما بدأ في الشونة الجنوبية هو جزء من رؤية وطنية شاملة تسعى لمأسسة التطوع في جميع محافظات المملكة. فالتجربة التي تم استعراضها في لواء معان، حيث تم تزويد المنصة بالبريد الإلكتروني الرسمي لجميع المدارس، تمثل نموذجاً يحتذى به في الدقة والاحترافية. ومن المتوقع أن تسير مديرية الشونة الجنوبية على ذات النهج، لضمان وجود قاعدة بيانات موحدة وشاملة لجميع الأنشطة التطوعية في اللواء.
وتتطلع المديرية، تحت قيادة الأستاذة لبنى فرحان العدوان، إلى زيادة عدد الطلاب المسجلين في المنصة وتوسيع نطاق المبادرات لتشمل قضايا معاصرة مثل "التغير المناخي" و "التحول الرقمي" و "التعليم المهني والتقني (BTEC) فدمج المتطوعين في هذه المسارات يضمن لهم اكتساب مهارات عملية تتماشى مع متطلبات سوق العمل المستقبلي.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والمنظمات غير الربحية في اللواء، لفتح آفاق تطوعية خارج أسوار المدرسة، مما يمنح الطلاب تجربة واقعية في بيئات عمل مختلفة. وتلعب منصة "نحن" دور الوسيط في هذه العملية، حيث تقوم الشركات أو المنظمات باختيار المتطوعين بناءً على مهاراتهم واهتماماتهم المسجلة في حساباتهم الشخصية.
بناءً على المعطيات التي تم استعراضها خلال الجلسة التعريفية وفي ضوء الواقع التربوي للواء الشونة الجنوبية، يمكن استخلاص مجموعة من النتائج والتوصيات التي تهدف إلى ديمومة هذا المشروع الوطني وتطويره:
أولاً، ضرورة الاستمرار في بناء قدرات العاملين مع الشباب (ضباط الارتباط) وتدريبهم وتأهيلهم بشكل دوري، باعتبارهم قادة التغيير في الميدان.
ثانياً، تعزيز ثقافة "التطوع الواعي" لدى الطلاب، بحيث لا يكون الهدف هو جمع الساعات فحسب، بل الأثر الحقيقي الذي يتركه الطالب في مجتمعه.
ثالثاً، توفير الحماية والدعم للمتطوعين من خلال تفعيل ميثاق التطوع وضمان حقوقهم المعنوية والمادية (مثل التأمين في بعض الفرص الخارجية).
كما يوصى بضرورة تخصيص "ركن لمنصة نحن" في كل مدرسة، يشرف عليه ضابط الارتباط، ليكون مرجعاً للطلاب الراغبين في التسجيل أو الاستفسار عن الفرص المتاحة.
ومن الأهمية بمكان أيضاً ربط التميز في العمل التطوعي بالحوافز المدرسية والوطنية، مثل الترشيح لجائزة الحسين بن عبد الله الثاني للعمل التطوعي، ليكون ذلك دافعاً للطلاب نحو مزيد من العطاء والتميز.
ختاماً إن تظافر جهود القيادة التربوية في الشونة الجنوبية، ممثلة بالأستاذة لبنى فرحان العدوان والأستاذ هزاع الحناوي والأستاذ هيثم السعايدة، مع الخبرات التقنية للمهندس مهند عطاري وجهود ضابط الارتباط شيرين العدوان، يمهد الطريق لقفزة نوعية في مستوى المشاركة الشبابية.
وإن منصة "نحن" هي اليوم الأداة التي ستمكن شباب الشونة الجنوبية من كتابة قصص نجاحهم بسطور من العطاء، والتميز الموثق، وطنيًا ودوليًا.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير