تعديلات الضمان الاجتماعي: هل نعيش أطول.. أم نعمل أطول فقط؟
أ. د. هاني الضمور
جو 24 :
برأيي، لا يمكن مناقشة التعديلات الأخيرة على قانون الضمان الاجتماعي بمعزل عن رقمٍ يتكرر كثيرًا في الخطاب الرسمي: متوسط العمر المتوقع في الأردن. فحين يُقال لنا إن الأردنيين يعيشون حتى أواخر السبعينات، يُفهم ضمنًا أن العمل حتى سن الخامسة والستين بات أمرًا طبيعيًا ومنطقيًا. لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه هو: هل نعيش حياة أطول فعلًا، أم نُطلب فقط أن نعمل لفترة أطول؟
لا خلاف على أن متوسط العمر في الأردن ارتفع مقارنة بالماضي، وهذا إنجاز صحي واجتماعي يُحسب للدولة والمجتمع. لكن تحويل هذا الرقم الإحصائي إلى مبرر مباشر لرفع سن التقاعد وتشديد شروطه يبدو لي تبسيطًا مقلقًا للواقع. فمتوسط العمر لا يخبرنا شيئًا عن قدرة الإنسان الجسدية، ولا عن جودة حياته في سنواته الأخيرة، ولا عن نوع العمل الذي أدّاه طوال مسيرته المهنية.
من يعمل خلف مكتب مكيف لا يشبه من يعمل في ورشة، أو موقع إنشاء، أو في وظيفة مرهقة جسديًا ونفسيًا. ومع ذلك، فإن التعديلات الأخيرة تتعامل مع الجميع بمنطق واحد، وكأن سنوات العمل الطويلة تُستهلك بالطريقة نفسها لدى جميع العاملين. وهنا، في رأيي، تكمن الفجوة بين النص القانوني والعدالة الاجتماعية.
أفهم تمامًا حجة الاستدامة المالية. فلا أحد يريد أن ينهار صندوق الضمان الاجتماعي بعد عقود، ولا أن تُترك الأجيال القادمة أمام التزامات لا يمكن الوفاء بها. لكن حماية الصندوق يجب ألا تأتي على حساب استنزاف الإنسان نفسه. فالقانون وُجد ليحمي الموظف أولًا، لا ليختبر قدرته على الصمود حتى آخر طاقته.
ما يثير القلق أيضًا هو أن رفع سن التقاعد وزيادة عدد الاشتراكات المطلوبة قد يعني، عمليًا، تقليص الفترة التي يستفيد فيها المواطن من تقاعده. فإذا كان الإنسان يعمل حتى 65 عامًا، ثم يبدأ رحلة الشيخوخة الصحية، فكم سنة سيعيشها وهو قادر فعليًا على الاستفادة من راتبه التقاعدي؟ وهل الهدف من الضمان هو مجرد دفع راتب، أم توفير حياة كريمة بعد العمل؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل الجوانب الإيجابية في التعديلات، مثل حماية الحقوق المكتسبة ورفع الحد الأدنى لبعض الرواتب التقاعدية. هذه خطوات مهمة وتبعث برسالة طمأنة، لكنها – في رأيي – لا تكفي وحدها لتعويض الشعور المتنامي لدى شريحة من الموظفين بأن شروط التقاعد أصبحت أكثر قسوة من السابق.
خلاصة موقفي أن المشكلة ليست في التعديل بحد ذاته، بل في غياب المرونة والتمييز بين الحالات المختلفة. كان من الممكن ربط سن التقاعد بطبيعة المهنة، أو توسيع مفهوم الأعمال الشاقة، أو منح خيارات أوسع للتقاعد التدريجي، بدل الاكتفاء برفع الأرقام بشكل عام.
الضمان الاجتماعي ليس معادلة حسابية فقط، بل عقد أخلاقي بين الدولة والمواطن. وإذا أردنا لهذا العقد أن يبقى قائمًا، فعلينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نُعدّل القوانين لأن الناس يعيشون أطول، أم لأن النظام يحتاج منهم أن يعملوا أطول؟








