jo24_banner
jo24_banner

الضم الصامت: كيف ابتلعت "إسرائيل" الضفة الغربية؟ #عاجل

الضم الصامت: كيف ابتلعت إسرائيل الضفة الغربية؟ #عاجل
جو 24 :


في الضفة الغربية، لا تحتاج "إسرائيل" إلى إعلان ضمٍّ صريح كي تبتلع الأراضي. يكفيها ما أعلنته منذ أيام من قانون "تسوية أراضٍ"، حتى تكون قد ضمّت الضفة بطريقة رسمية وقانونية، لكن من دون أي إعلان.

يبدأ الاستيطان الإسرائيلي باختيار تلةٍ مشرفة تكون موقعاً استراتيجياً؛ يجلب المستوطنون خياماً أو بيوتاً مؤقتة، ويعلنون المكان مقرَّ إقامتهم. سرعان ما تلحق بهم الحكومات الإسرائيلية: توفّر لهم الكهرباء والمياه، وتضع عناصر من "الجيش" لحمايتهم.

ولكي يصل هؤلاء إلى منازلهم الجديدة يحتاجون إلى طرقات، فتُشقّ الطرق الالتفافية التي "تصادف" دائماً أنّها تحاوط القرى الفلسطينية. بهذه الطريقة تعمل ماكينة الاستيطان: لا تتكلّم كثيراً، ولا تتوقّف عن السيطرة على الأراضي.

تبني البيوت، تُقنّن وجودها، تُؤمّن حمايتها، ثم تقول الحكومات الإسرائيلية للعالم: الواقع سبقكم.. ومن يعترض فليشرح لنا ماذا نفعل بمن يعيشون على هذه الأرض؟ هل نطردهم؟ وماذا نفعل بالزيادة السكانية الطبيعية؟ هل نحدّ من نسلهم؟ بالتأكيد لا؛ نضمّ الضفة بشكلٍ صامت ومن دون إعلان كي لا نستفز ساكن البيت الأبيض.

منذ احتلت "إسرائيل" الضفة في حزيران/يونيو 1967، لم تتعامل معها بوصفها أرضاً محتلة مؤقتاً، بل بوصفها "يهودا والسامرة".. قلب التوراة والدين اليهودي، وخزّاناً استراتيجياً للأمن. الخليل ليست مدينة فلسطينية فقط في عين المشروع الاستيطاني؛ إنها "قبر إبراهيم".

نابلس ليست نابلس؛ إنها "شكيم". شيلو ليست تلة؛ إنها "شيلو" التوراتية. وما بين الاسم والاسم تُسحب الشرعية من يد الفلسطيني، وتُعاد صياغة المكان ليصبح "مقدّساً" حيناً و"حاجزاً أمنياً" حيناً آخر، وفي الحالتين يُمنع الفلسطيني من حقه الطبيعي: العيش على أرضه بشكلٍ آمن.

لم يبدأ الاستيطان في الضفة حركةَ احتلالٍ وإسكانٍ فحسب، بل حركةً عقائدية. بعد نكسة 67 صعد تيار الصهيونية الدينية من الهامش إلى مركز القرار، وصاغ رواية تقول إنّ البناء في الضفة ليس "احتلالاً" بل "تحقيق وعد العودة" إلى "إيرتس يسرائيل" أي أرض "إسرائيل". ومن هنا وُلد منطقٌ خطِر: إذا كانت الأرض "وعداً" إلهياً، فإن القانون الدولي يصبح تفصيلاً ثانوياً، وأي تسوية سياسية تصبح اعتداءً على العقيدة.

في هذه المدرسة، لا تُبنى المستوطنة لأنها "مفيدة" أمنياً، بل لأنها "مطلوبة" دينياً. حركة "غوش إيمونيم" (كتلة الإيمان) مثّلت رأس الحربة في هذا التحوّل.

الدين والأمن والاقتصاد: أدوات ضمّ الضفة
لا يخفى أنّ الدين هنا ليس مجرّد دافع شخصي لثلث المستوطنين الذين يصرّحون بأن استيطانهم سببه أيديولوجي، بل تحوّل عبر الزمن ليصبح ذراعاً سياسياً تغلغل في "الكنيست" والحكومة. أحزاب مثل "القوة اليهودية" و"الصهيونية الدينية" لم تكتفِ بالهتاف لشعار "يهودا والسامرة"، بل نقلته إلى التشريع والميزانيات والخرائط. صار الخطاب التوراتي مادة عمل يومي: قوانين تُشرعن بؤراً، وصراع دائم لجعل "فرض السيادة حقاً تاريخياً".

منذ السبعينيات كرّرت "إسرائيل" اللازمة نفسها مبررة سعيها للاستيطان؛ فهو، بالنسبة إليها، يوفّر عمقاً استراتيجياً ويحمي "قلب الدولة". لكن في الألفية الجديدة، بعدما تغيّر أعداء "إسرائيل" من جيوش إلى فصائل مقاومة، تحوّلت السردية لتصبح أنّ الاستيطان يمنع تحوّل الضفة إلى نسخة أخرى من غزة.

دعّمت "إسرائيل" هذا الموقف بوثائق ومواقف للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحدّثت عن "حرية عمل للجيش" في الضفة، وعن مخاطر تصنيع صواريخ قد تصيب قلب "تل أبيب"، و"جبهة شرقية" واحتمالات تسلل وتأثير إيراني عبر العراق والأردن. في هذا المنطق، السيطرة على المرتفعات والطرق في الضفة ليست تفصيلاً، بل "شرط وجود".

من هنا عمل الأمن كنظامٍ لتأكيد السيطرة اليومية على حياة الفلسطينيين: حواجز، بوابات، تصاريح، طرق التفافية، مناطق تدريب، و"مناطق عسكرية مغلقة"، ما حوّل الضفة إلى كانتونات، وجعل الفلسطيني يعيش في سجن واسع يطلب الإذن للمرور.

الضم الحقيقي للضفة لم يبدأ من "الكنيست" فحسب، بل من الواقع الذي فرضه الاحتلال لسنوات مضت. فعدا عن التسهيلات الأمنية والميدانية التي توفّرها الحكومة للمستوطنين، للاقتصاد دور أيضاً. من يعيش في المستوطنات يحظى بقروض إسكان وإعفاءات ومدارس وعيادات، وحياة أرخص من داخل "الخط الأخضر".

صار الاستيطان "حلاً سكنياً" لعائلات تبحث عن بيت. أما بالنسبة للفلسطيني، فشبكة الطرق الالتفافية التي يمر عليها المستوطنون حصراً صنعت جغرافيا جديدة: مستوطنات فوق التلال رُبطت ببعضها، ومدن فلسطينية تحتها مفصولة عن بعضها. هكذا عُزلت قرية عن قرية، ومدينة عن مدينة، ثم قيل: لا توجد إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة. وثبّتها قرار "إسرائيل" وصل مستوطنة آدم ببلدية القدس، ما يعني توسيع حدود المدينة المحتلة إلى خارج "الخط الأخضر".

أما أكثر ما يؤكّد ضمّ الضفة بشكل غير معلن فهو إقرار الحكومة الإسرائيلية قرار "تسوية الأراضي"، الذي يضع مساحات واسعة من أراضي الضفة غير المسجّلة وغير المملوكة كـ"أراضي دولة". في الظاهر تبدو العملية "بيروقراطية"، وفي الجوهر هي نزع ملكية منظّم وضمّ لجزء كبير من أراضي المنطقة "ج".

تشريعات الضمّ: سيادة بلا إعلان في الضفة الغربية
منظمة "سلام الآن" وصفت الخطوة بأنها ضمّ كبير، لأنّ إثبات الملكية للفلسطيني في المنطقة "ج" يكاد يستحيل، فيما تنقل "إسرائيل" مسؤولية التسجيل من الإدارة العسكرية إلى وزارة مدنية؛ أي إنّ "الدولة" تعترف عملياً بأنها تدير الأرض كجزء من أرضها. هكذا لا يعود الاحتلال وضعاً عسكرياً، بل إدارة مدنية كاملة.. وهذه السيادة تُمارَس بلا إعلان.

كلّ هذا جرى بالتوازي مع تشريعات ثبّتت مسار الضمّ بإقرار "قانون التسوية" الذي شرعن بؤراً أقيمت على أراضٍ خاصة عبر التعويض، ثم "قانون القومية" الذي أعاد تعريف الدولة على أساس حقّ حصري لليهود في تقرير المصير فيها. هذه ليست قوانين "داخلية" فقط؛ إنها تكريس للواقع الذي أصبحت عليه "إسرائيل": "دولة يهودية غير ديمقراطية، تقمع من هم من غير دينها".

أما "قانون الترتيبات" الاقتصادي فكان الغلاف للضمّ: مشاريع طاقة، بنى تحتية، وسلطة مواصلات ربطت القدس بالمستوطنات، إضافة إلى دعم حكومي لمؤسسات أكاديمية مثل جامعة "أريئيل" المقامة في الضفة. كل ذلك دمج المستوطنات في النظام الإسرائيلي اليومي، وجعل فصلها مستحيلاً وأشبه بعملية بتر اقتصادي وإداري.

عدا عن البعدين الديني والاقتصادي، تستخدم "إسرائيل" الأمن لفرض الاستيطان ولجعل الفلسطيني يعاني على أرضه، ما يجعل خيار الهجرة مطروحاً دائماً. وهذا ما عبّر عنه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الذي وضع لنفسه هدفاً جديداً يتمثل في تشجيع سكان الضفة على هجرتها.

فعندما تُغلق "إسرائيل" منطقة بذريعة التدريب العسكري، تمنع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه. وعندما تفرض نظام تصاريح، لا "تنظّم" الحركة كما تدّعي؛ بل تجعل حياة الفلسطيني أسوأ وتجعله دائماً تحت متابعتها الأمنية. وعندما تحمي البؤر العشوائية، لا تمنع الاحتكاك؛ بل تضمن استمرار المشروع. هكذا يصبح الأمن وظيفة مزدوجة: حماية المستوطن، وتوسيع مساحة سيطرة "الدولة"، وتقليص مساحة حياة الفلسطيني والتنغيص عليه.

الاستيطان في الضفة ليس مشروعاً عمرانياً ولا مجرّد نزاع على أراضٍ. هو مشروعُ ضمّ تدريجي يعمل بثلاثة محرّكات: دين يمنح المعنى، وأمن يمنح الذريعة، وقانون يمنح الحصانة.

من يراقب المشهد يفهم أنّ الضمّ وقع، ولا يحتاج إعلاناً في مؤتمر صحافي. الضمّ وقع بعد استمرار بناء المستوطنات وتوسعتها، والضمّ وقع بعد تشريع هذه المستوطنات وتقنينها، والضمّ وقع بعد تدخّل الأمن الإسرائيلي في كلّ تفصيل من تفاصيل حياة الفلسطينيين. يجب ألّا نسأل الآن: متى ستضمّ "إسرائيل" الضفة؟ أو هل ستضمّ "إسرائيل" الضفة؟ السؤال هو: كم تبقّى من الضفة خارج عملية الضمّ؟


(الميادين)

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير