jo24_banner
jo24_banner

حين تبحر “جيرالد فورد” مثقلة بالوقت… لا بالضعف قراءة في ما وراء الجدل حول أكبر حاملة طائرات أميركية في المتوسط

حين تبحر “جيرالد فورد” مثقلة بالوقت… لا بالضعف قراءة في ما وراء الجدل حول أكبر حاملة طائرات أميركية في المتوسط
جو 24 :
كتب - زياد فرحان المجالي
في الحروب الحديثة، لا تكشف القوة عن نفسها فقط في عدد الطائرات أو الصواريخ، بل في قدرة الدولة على إدارة الوقت. وحين دخلت حاملة الطائرات الأميركية "جيرالد ر. فورد” إلى البحر المتوسط وسط تصاعد الحديث عن احتمال مواجهة مع إيران، لم يكن السؤال الحقيقي: هل ستُطلق الضربة؟ بل: كم تستطيع واشنطن أن تبقي خيار الضربة مفتوحاً دون أن تدفع ثمناً استراتيجياً؟
الجدل الذي أثارته تقارير إعلامية إسرائيلية وأميركية حول "الإرهاق” داخل الحاملة، وتمديد مهمتها إلى ما قد يصل أحد عشر شهراً، لا يتعلق بخلل قتالي ولا بضعف عملياتي. بل يتعلق بشيء أكثر تعقيداً: إدارة الضغط في زمن التوتر.
أولاً: ما الذي حدث فعلياً؟

الحاملة "جيرالد فورد” موجودة في البحر منذ يونيو الماضي. تم تمديد مهمتها للمرة الثانية، وتحويل مسارها من المتوسط إلى الكاريبي ثم العودة مجدداً إلى الشرق الأوسط. هذا يعني عبور الأطلسي مرتين، وتأجيل برامج صيانة، وإعادة ترتيب جدول الأسطول الأميركي بأكمله.

في الظروف الطبيعية، تستمر مهمة حاملة الطائرات نحو ستة أشهر. التمديد إلى أحد عشر شهراً ليس أمراً اعتيادياً. هو قرار سياسي قبل أن يكون عسكرياً.

لكن ما لم يرد في التقارير بوضوح هو الأهم: لم تُذكر أي إشارة إلى تراجع في الجاهزية القتالية، أو أعطال في منظومات الطيران، أو قصور في أنظمة الدفاع الجوي أو الرادار. الحديث دار حول الإرهاق البشري، وتآكل المعدات، وحتى أعطال في نظام الصرف الصحي — وهي مشكلات لوجستية لا تمس القدرة العملياتية للحاملة.
إذن، أين "الخدعة” التي ألمح إليها العنوان الإسرائيلي؟

ثانياً: صناعة السؤال بدل صناعة المعلومة

استخدام كلمة "בלוף” (بلوف/خدعة) في العنوان ليس تقريراً استخبارياً، بل تقنية إعلامية. هو سؤال يزرع الشك في ذهن القارئ: هل صورة الردع الأميركي أكبر من واقعه؟

لكن الردع لا يُقاس براحة البحارة، بل بقدرة السفينة على إطلاق الطلعات الجوية. والحاملة "فورد” قادرة على تنفيذ عشرات الطلعات يومياً إن صدر القرار.

ما يجري ليس انكشاف ضعف، بل كشف ضغط.

ثالثاً: الضغط البحري العالمي

البحرية الأميركية تمتلك 11 حاملة طائرات فقط. هذه الحاملات موزعة على مسارح متعددة:

المحيط الهادئ في مواجهة الصين

البحر الأحمر

الخليج العربي

المتوسط

الردع في أوروبا

عندما تُمدد مهمة حاملة، فهذا يعني إعادة ضغط جدول الانتشار بالكامل. التأجيل في الصيانة لا يعني انهيار القدرة، لكنه يعني تقليص هامش الراحة الاستراتيجية.

الولايات المتحدة حالياً لا تخوض حرباً مفتوحة، لكنها تدير بيئة توتر عالمية متزامنة. وهذا يخلق ما يمكن تسميته بـ "الاستنزاف الهادئ”.

رابعاً: هل نحن أمام مؤشر ضربة قريبة؟

وجود الحاملة وحده لا يعني قرار حرب.

لو كان القرار قد اتُّخذ فعلياً، لكنا رأينا مؤشرات إضافية:

نقل ذخائر خارقة للتحصينات بكميات كبيرة

نشر قاذفات استراتيجية إضافية في قواعد إقليمية

تعزيز دفاعات صاروخية في الخليج

إغلاق مجالات جوية محددة

حتى الآن، ما نراه هو إبقاء خيار الضربة قائماً، لا أكثر.

والفرق بين الخيار والقرار فرق استراتيجي كبير.

خامساً: العامل البشري

الإرهاق داخل الطاقم حقيقي. البقاء في البحر أحد عشر شهراً ليس أمراً بسيطاً. شهادات البحارة التي تحدثت عن الإحباط والغضب تعكس ضغطاً نفسياً واضحاً.

لكن تاريخ البحرية الأميركية يُظهر أن التمديد في أوقات التوتر ليس سابقة. حدث ذلك في العراق 2003، وفي فترات التوتر مع إيران 2019، وفي آسيا خلال تصاعد التنافس مع الصين.

القدرة القتالية لا تتآكل بسبب الضيق النفسي، لكنها تصبح أكثر تكلفة في حال طال أمد المواجهة.

وهنا جوهر المسألة: واشنطن تستطيع تنفيذ ضربة، لكنها لا تريد حرباً طويلة.

سادساً: الرسالة إلى طهران… والرسالة إلى تل أبيب

وجود "فورد” في المتوسط يخدم غرضين متوازيين:

رسالة ردع لإيران: الولايات المتحدة حاضرة وقادرة.

رسالة طمأنة لإسرائيل: الخيار العسكري ليس مستبعداً.

لكن في الوقت ذاته، تسريب تقارير عن الضغط التشغيلي يوجه رسالة داخلية أيضاً: أي تصعيد طويل ستكون له تكلفة حقيقية.
إسرائيل تراقب هذه التفاصيل بدقة، لأنها معنية بمعرفة مدى جدية واشنطن في حال قررت المواجهة.

سابعاً: إدارة الزمن لا إدارة النار

الحروب الكبرى لا تبدأ فجأة. تبدأ بإدارة الوقت.

تمديد مهمة الحاملة يعني أن واشنطن تريد إبقاء النافذة مفتوحة دون أن تحسم اتجاه الريح. هي سياسة "التأهب الدائم” لا "الاندفاع”.
هذا النوع من الانتشار يمنح البيت الأبيض مرونة سياسية: يستطيع الضغط، الردع، التفاوض، أو الضرب — دون أن يلتزم مسبقاً بخيار واحد.

لكن كل يوم إضافي في البحر يرفع تكلفة الانتظار.

ثامناً: هل انكشف البلوف؟

الجواب الواقعي: لا.

لم ينكشف ضعف عسكري. لم تتراجع الجاهزية العملياتية. لم تُسجل أعطال مؤثرة في الأنظمة القتالية.

ما انكشف هو الثمن البشري واللوجستي لإبقاء القوة في حالة استعداد دائم.

الردع ليس مجانياً. والانتشار البحري الطويل ليس بلا تكلفة.
الخلاصة

حين تبحر "جيرالد فورد” مثقلة بالوقت، لا بالضعف، فإن الصورة الحقيقية ليست صورة انهيار، بل صورة ضغط محسوب.
الولايات المتحدة ما زالت قادرة على الضربة إن قررت. لكنها حريصة على أن تبقى الضربة خياراً، لا قدراً.

الفرق بين دولة تملك قرار الحرب ودولة تُساق إليها، هو قدرتها على إدارة الزمن. وواشنطن اليوم تدير الزمن، لا المدافع.
أما الحديث عن "البلوف”، فهو أقرب إلى سؤال إعلامي منه إلى حقيقة عسكرية.
في المتوسط، لا تنكشف الخدع… بل تنكشف حسابات الأعصاب.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير