jo24_banner
jo24_banner

بين الضغط والقرار: أين يميل ترامب في معادلة إيران؟

بين الضغط والقرار: أين يميل ترامب في معادلة إيران؟
جو 24 :
كتب - زياد فرحان المجالي

في السياسة الأمريكية، لا تُتخذ قرارات الحرب في لحظة انفعال، بل عند نقطة تقاطع معقّدة بين المؤسسة العسكرية، والبيت الأبيض، والكونغرس، ومراكز الضغط المؤثرة. والسؤال الذي يتردد اليوم في واشنطن ليس فقط: هل ستندلع مواجهة مع إيران؟ بل: أين يميل مركز الثقل الحقيقي داخل النظام الأمريكي؟ وهل يتجه الرئيس دونالد ترامب نحو التفاوض أم نحو الحرب؟
لفهم ذلك، لا بد من تفكيك المشهد إلى طبقاته الأساسية.

أولاً: الإدارة الأمريكية ومنطق ترامب السياسي

الرئيس دونالد ترامب ليس رئيساً عقائدياً في مقاربة الحرب، بل براغماتي يميل إلى هندسة الصفقات. تجربته السياسية والاقتصادية تُظهر أنه يفضّل استخدام أدوات الضغط القصوى كوسيلة تفاوض، لا كنقطة انطلاق عسكرية مباشرة. هدفه المعلن واضح: منع إيران من امتلاك سلاح نووي. لكن الوسيلة لتحقيق هذا الهدف تظل موضع حساب دقيق.

ترامب يدرك أن أي حرب واسعة في الشرق الأوسط تحمل كلفة اقتصادية مباشرة على الداخل الأمريكي: ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب الأسواق، ضغط انتخابي، واستنزاف عسكري قد يمتد زمنياً. لذلك يميل في سلوكه السياسي إلى صيغة تقوم على: ضغط مرتفع، تهديد موثوق، وباب تفاوض مفتوح. هذه المعادلة تمنحه مساحة إعلان "انتصار سياسي” إذا تحقق اتفاق، دون أن يتحمل تبعات حرب طويلة.

ثانياً: المؤسسة العسكرية وحدود المغامرة

تحذيرات رئيس الأركان الجنرال بن كين – كما نُقلت في تقارير إعلامية أمريكية – لم تكن رفضاً سياسياً للخيار العسكري، بل تقديراً مهنياً للكلفة. المؤسسة العسكرية الأمريكية بطبيعتها لا تعارض القرار الرئاسي، لكنها تضع أمامه سيناريوهات الخسائر، واستنزاف الذخائر، وتعقيدات الدعم الحليف، وإمكانية انزلاق الضربة المحدودة إلى حملة ممتدة.

البنتاغون يميل عادةً إلى العمليات القصيرة ذات الهدف المحدد، وليس إلى حملات مفتوحة ذات أفق غير واضح. هذا يعني أن أي قرار عسكري، إن اتُخذ، سيكون مرجّحاً أن يكون محدوداً ومدروساً، لا حرباً شاملة.

ثالثاً: الكونغرس وسؤال الشرعية

في الكونغرس الأمريكي، لا يدور النقاش حول منع إيران من السلاح النووي – فهذه نقطة توافق عابرة للحزبين – بل حول الوسيلة وصلاحيات القرار. الجمهوريون عموماً أكثر استعداداً لاستخدام القوة، فيما يفضّل الديمقراطيون المسار الدبلوماسي والرقابة المشددة.

لكن الانقسام الحقيقي ليس حول الهدف، بل حول الشرعية. هل يملك الرئيس صلاحية شنّ ضربة دون تفويض صريح؟ وهل سيُنظر إلى تقييد صلاحياته كرسالة ضعف؟ هذه الأسئلة تجعل قرار الحرب – إن حصل – محكوماً بحسابات دستورية داخلية لا تقل أهمية عن الحسابات الاستراتيجية.

رابعاً: اللوبيات ومراكز الضغط

لا توجد جبهة ضغط موحّدة تدفع باتجاه الحرب. بعض مراكز الفكر المحافظة ترى أن إيران لا تستجيب إلا تحت ضغط عسكري مباشر. في المقابل، تميل دوائر اقتصادية ومالية واسعة إلى الاستقرار، لأن أي مواجهة كبرى ستنعكس على الأسواق وسلاسل الإمداد.

حتى في الأوساط المؤيدة لتشديد الموقف تجاه إيران، هناك تباين بين من يفضّل ضربة استباقية ومن يفضّل اتفاقاً طويل الأمد أكثر صرامة من اتفاق 2015. هذا التباين يجعل صورة "اللوبي الموحد للحرب” أقرب إلى تبسيط إعلامي منها إلى واقع مؤسساتي.
خامساً: أين تقع إسرائيل في معادلة القرار؟

يبقى سؤال يتكرر في كل نقاش: إلى أي مدى يتأثر قرار ترامب بالرؤية الإسرائيلية؟

من الخطأ إنكار وجود تأثير إسرائيلي في المشهد الأمريكي. العلاقة بين واشنطن وتل أبيب ليست علاقة عابرة، بل بنية مؤسسية ممتدة عبر عقود، تتداخل فيها اعتبارات أمنية واستراتيجية وسياسية داخلية. كما أن القاعدة المحافظة داخل الحزب الجمهوري، إضافة إلى قطاعات إنجيلية مؤثرة، ترى في أمن إسرائيل مكوناً من مكونات الهوية السياسية.

لكن القراءة الدقيقة لسلوك ترامب تكشف فارقاً مهماً. هو ليس رئيساً يقود السياسة من منطلق التزام عقائدي ثابت، بل من منطلق مصلحة مباشرة قابلة للقياس.

في ولايته الأولى، اتخذ قرارات صبّت في مصلحة إسرائيل بوضوح – نقل السفارة إلى القدس، الاعتراف بالجولان، الانسحاب من الاتفاق النووي – لكن هذه القرارات أيضاً انسجمت مع رؤيته السياسية الداخلية وخطابه الانتخابي وتحالفاته المحلية.

الفارق الجوهري أن ترامب لا يضع التحالف في مرتبة تعلو على المصلحة الأمريكية كما يعرّفها هو. إذا توافقت المصالح الأمريكية والإسرائيلية، يتحرك بقوة. أما إذا ظهرت كلفة مباشرة على الداخل الأمريكي – اقتصادياً أو انتخابياً أو عسكرياً – فإنه يميل إلى إعادة الحسابات.

إسرائيل تستطيع التأثير في صياغة المشهد، لكنها لا تملك تحديد لحظة القرار النهائي إذا تعارضت المصالح بوضوح. القول إن ترامب "مُسيَّر” من القرار الإسرائيلي تبسيط إعلامي، والقول إنه منفصل تماماً عن التأثير الإسرائيلي تبسيط معاكس. الحقيقة تقع في منطقة رمادية: تأثير موجود، لكن السيادة في لحظة الحسم تبقى أمريكية.

سادساً: نقطة التقاطع المحتملة

رغم التباينات، توجد أرضية مشتركة بين الإدارة، والكونغرس، والبنتاغون: منع إيران من امتلاك سلاح نووي دون الانزلاق إلى حرب شاملة إن أمكن. هذه النقطة قد تخلق مساحة توافق إذا تم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد قابل للتحقق والرقابة، ويمكن تسويقه داخلياً كإنجاز سياسي.

فإذا قدّم المسار التفاوضي إطاراً يسمح لترامب بإعلان اتفاق "أقوى وأطول” من اتفاق إدارة باراك أوباما، فقد يميل الميزان نحو الدبلوماسية. أما إذا انهار المسار التفاوضي، وظهرت تقديرات استخبارية تشير إلى اقتراب إيران من نقطة حرجة، فقد يزداد وزن الخيار العسكري – ولكن على الأرجح في صيغة محدودة لا حملة مفتوحة.
سابعاً: أين يميل ترامب فعلياً؟

إذا قُرئت مواقفه السابقة، يتضح أنه يميل إلى التفاوض من موقع تهديد موثوق، لا إلى الحرب كخيار أول. هو يفضّل استخدام شبح القوة لتعزيز أوراق التفاوض. الحرب، بالنسبة له، أداة ضغط أخيرة لا بداية مسار.

الميزان الحالي يشير إلى أن التوجه الفعّال يميل نحو اختبار الدبلوماسية حتى نهايتها الممكنة، مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً لإسناد الموقف التفاوضي. هذا ليس تردداً، بل إدارة مخاطرة محسوبة.
الخلاصة

لا يوجد إجماع أمريكي على الحرب، لكن يوجد إجماع واسع على منع السلاح النووي. لا يوجد اتفاق مطلق بين الحزبين على الوسيلة، لكن هناك تقاطع عند الهدف. لا يوجد صدام بين البيت الأبيض والبنتاغون، بل اختلاف في تقدير الكلفة. والتأثير الإسرائيلي موجود ضمن الإطار، لكنه ليس محدد القرار النهائي.

أما ترامب، فيميل – وفق القراءة الواقعية – إلى صفقة تُعلن انتصاراً سياسياً تحت سقف ضغط عسكري موثوق، أكثر مما يميل إلى حرب إقليمية طويلة. ومع ذلك، فإن فشل المسار الدبلوماسي قد يدفعه إلى استخدام القوة في إطار محدود ومدروس.
المعادلة، في نهاية المطاف، ليست حرباً أو سلاماً، بل موازنة دقيقة بين الكلفة والردع والشرعية. وفي هذه المنطقة الرمادية تُحسم القرارات الكبرى.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير