لماذا الولايات المتحدة قلقة من ميزانية الدفاع الصينية الجديدة؟
جو 24 :
ليست ميزانيات الدفاع مجرد أرقام تُدرج في وثائق رسمية، فهي في الغالب لغة سياسية تحمل رسائل إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء، وتُظهر بعض الأولويات بقدر ما تُخفي أخرى.
وفي الحالة الصينية تزداد دلالة الرقم، إذ لا تقدّم بكين إنفاقها العسكري بوصفه سباق تسلح مفتوحا، بل باعتباره جزءا من مشروع تحديث طويل يهدف إلى إعادة صياغة ميزان الردع في غرب المحيط الهادي.
غير أن الاكتفاء بقراءة العنوان -كما تلمّح تقارير أمريكية- قد يكون مضللا، فالرقم المُعلن لا يعكس بالضرورة الصورة كاملة.
فهناك نفقات تتوزع على مسارات موازية، من البحث والتطوير إلى الأدوات البحرية شبه العسكرية وقوى تعمل في الحيز الفاصل بين الأمن والدفاع.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كم تنفق بكين فعليا؟ وماذا تخفي صياغة الموازنة، وما الذي لا تقوله الأرقام؟
في هذا السياق، يرسم تقرير في مجلة نيوزويك ملامح الإعلان الصيني وسياقه السياسي، بينما يناقش مقال رأي في بلومبيرغ بقلم كاريشما فاسواني مدى كفاية الرقم الرسمي لفهم التحول العسكري الجاري، مستندا إلى تقديرات أمريكية وما تعتبره فجوات في طريقة احتساب الإنفاق.
رقم قياسي
بحسب مجلة نيوزويك الأمريكية، قدمت وزارة المالية الصينية مشروع ميزانية دفاع بنحو 1.9 تريليون يوان (نحو 275 مليار دولار) للعام الجاري، بالتزامن مع افتتاح الدورة السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب لاعتماد أولويات العام. ويُعد هذا الرقم أكبر ميزانية دفاع مُعلنة في تاريخ الصين.
ويشير التقرير إلى أن الزيادة السنوية تبلغ 7% مقارنة بعام 2025، مع تباطؤ طفيف بعد 3 سنوات متتالية من نمو بلغ 7.2%.
كما أنها الزيادة الـ11 على التوالي ضمن نطاق الزيادات أحادية الرقم، في حين ظل الإنفاق الرسمي يدور حول 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، يذكّر التقرير بأن الصين، رغم كونها ثاني أكبر منفق عسكري في العالم، لا تزال بعيدة عن الولايات المتحدة.
إذ يقل الرقم الصيني عن ثلث ميزانية الدفاع الأمريكية التي أعلنها الرئيس دونالد ترمب بنحو تريليون دولار ضمن ما وصفه بسياسة "السلام عبر القوة".
ويضع التقرير هذا الرقم ضمن سياق أوسع يتمثل في هدف الرئيس الصيني شي جين بينغ بناء جيش "على مستوى عالمي" بحلول منتصف القرن، في ظل تسارع تطوير قدرات جيش التحرير الشعبي في المجالات البحرية والجوية والصاروخية.
وبحسب التقرير، دفعت هذه الوتيرة دولا مجاورة -مثل اليابان- إلى رفع إنفاقها الدفاعي، كما عززت في واشنطن توصيف الصين بوصفها "التحدي المُحدِّد للإيقاع"، وسط مخاوف متكررة من احتمال اجتياح تايوان.
كما ينقل التقرير تحليلا لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية عبر مشروع تشاينا باور، يربط زيادات الإنفاق ببرامج شراء عسكرية وإصلاحات هيكلية وتحولات عقائدية داخل الجيش.
ويميّز التحليل -بحسب نيوزويك- بين أنشطة تُقدَّم بوصفها إسهاما في "الحوكمة العالمية"، مثل حفظ السلام ومكافحة القرصنة والإغاثة الإنسانية، وبين مسارات أخرى تزيد الاحتكاك الإقليمي، لا سيما في ملف تايوان وبحر جنوب الصين وبحر شرقها.
"الإنفاق الحقيقي"
وفي مقالها ببلومبيرغ، ترى فاسواني أن المقارنة المباشرة بين بكين وواشنطن "على الورق" قد تكون مضللة، لأن القضية لا تتعلق بالرقم وحده، بل بالمنحنى المتصاعد لخطط التحديث العسكري الصينية.
وتستند المقالة إلى تقديرات وزارة الحرب الأمريكية التي تفيد بأن الإنفاق الفعلي للصين قد يكون أعلى من الرقم المنشور بنحو 40% إلى 90%.
وتشير كذلك إلى أن إنفاق 2025 الرسمي قُدِّر بنحو 245 مليار دولار مقابل نحو 900 مليار دولار للولايات المتحدة، مع التأكيد أن الفجوة -حتى وفق البيانات الرسمية- آخذة في التقلص.
وتربط فاسواني هذا "الإنفاق غير المرئي" بعناصر لا تُحتسب كاملة ضمن بند الدفاع، مثل القوات شبه العسكرية والأدوات البحرية وخفر السواحل الصيني، إضافة إلى وسائل تُستخدم في فرض المطالب الإقليمية خارج إطار المواجهة العسكرية التقليدية.
كشف عرض عسكري العام الماضي عن امتلاك بكين الركائز الثلاث للردع النووي: قدرات إطلاق من الجو والبر والبحر.
وتشير الكاتبة إلى أن الصين باتت تمتلك أكبر قوة قتالية بحرية في العالم، كما تنتج سفنا حربية بوتيرة أسرع من الولايات المتحدة.
كما كشف عرض عسكري العام الماضي عن امتلاك بكين الركائز الثلاث للردع النووي: قدرات إطلاق من الجو والبر والبحر.
لكن المقالة تلفت في المقابل إلى نقطة ضعف محتملة تتمثل في قلة الخبرة القتالية.
وتنقل عن الباحث نيل توماس أن الجيش الصيني لا يزال محدود الخبرة في إدارة العمليات المعقدة، وأن تطوير قدرات العمليات المشتركة جاء متأخرا مقارنة بالولايات المتحدة.
كما تربط المقالة توقيت الموازنة بمحطات سياسية وعسكرية مهمة، أبرزها هدف تحقيق تقدم كبير في قدرات الجيش بحلول 2027، وهو العام الذي يصادف الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني.
وذلك إلى جانب استحقاق المؤتمر الحزبي الذي يُتوقع أن يسعى فيه شي جين بينغ إلى ولاية رابعة قد تبقيه في الحكم حتى 2032.
ليست مجرد تفصيل
تلتقي الروايتان عند خلاصة واحدة: أن زيادة 7% ليست مجرد تفصيل سنوي، بل حلقة في مسار أوسع تغذيه توترات تايوان وحدود الهيمالايا.
إضافة إلى اتجاه عالمي يتصاعد فيه الإنفاق العسكري بفعل حرب أوكرانيا واضطرابات الشرق الأوسط، وهي سياقات تتسارع في ظل أزمة إيران، بحسب فاسواني.
وبينما يختم تقرير نيوزويك بالإشارة إلى زيارة متوقعة لترمب إلى الصين الشهر المقبل، مع ترجيح حضور ملف تايوان بقوة على جدول الأعمال، تنتهي مقالة بلومبيرغ إلى تحذير واضح: أن التقليل من شأن "الإنفاق الحقيقي" للصين قد يقود إلى سوء تقدير سرعة التحول في ميزان القوة الآسيوي.
فالقصة لا تقتصر على رقم هذا العام فحسب، بل على أثره التراكمي في تشكيل الردع وإعادة رسم موازين القوة في الإقليم.
(الجزيرة)








