jo24_banner
jo24_banner

بين وهم الحسم وتعليق الصراع: خمسة سيناريوهات لنهاية الحرب على إيران #عاجل

بين وهم الحسم وتعليق الصراع: خمسة سيناريوهات لنهاية الحرب على إيران #عاجل
جو 24 :

كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - 

طرحت مجلة نيوزويك خمسة سيناريوهات محتملة لنهاية الحرب على إيران، مرفقة بتقدير نسبي لفرص تحققها. يبدأ ذلك بفرضية "انتصار أمريكي" يفرض شروطًا قاسية على طهران (2/5)، مقابل سيناريو "مراوحة تفاوضية دون حل" (3/5)، حيث تستمر الاتصالات دون اختراق حقيقي. ويبرز سيناريو "التهدئة التدريجية بلا اتفاق" بوصفه الأكثر ترجيحًا (4/5)، في مقابل احتمال "تصعيد طويل الأمد"(3/5) قد يوسع دائرة التأثير الاقتصادي والأمني، فيما يبقى سيناريو "انهيار النظام الإيراني" الأضعف احتمالًا (1/5). هذه الأوزان، رغم طابعها التقديري، تعكس إدراكًا لصعوبة الحسم، وتؤكد أن الصراع ما يزال مفتوحًا على مسارات متعددة.

وهم الحسم في قراءة أمريكية تقليدية
في خضم التصريحات المتضاربة والتسريبات السياسية، يبرز تحليل مجلة نيوزويك كأحد أبرز محاولات قراءة مآلات الحرب على إيران. غير أن هذا التحليل، على تماسكه المنهجي، يكشف عند التدقيق عن حدود الرؤية التي ينطلق منها، حيث يمتزج التقدير الاستراتيجي بنزعة تفسيرية أقرب إلى المنظور الأمريكي التقليدي.
ينطلق التقرير ضمنيًا من فرضية أن الحرب تقف على عتبة نهاية محتملة، مدفوعة بإشارات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول مفاوضات وتأجيل ضربات عسكرية. إلا أن هذه القراءة تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا: غياب أي مؤشر حقيقي على استعداد طهران لتقديم تنازلات جوهرية تمس برنامجها النووي او الصاروخي أو بنية نظامها السياسي. فإيران لا تتعامل مع الضغوط بمنطق التراجع، بل بمنطق امتصاص الصدمة وإعادة التموضع.
من هنا، يبدو سيناريو "الانتصار الأمريكي" — حتى مع تقديره المنخفض — انعكاسًا لرغبة سياسية أكثر منه احتمالًا واقعيًا. ففرض شروط استراتيجية قاسية على إيران لا يرتبط فقط بميزان القوة العسكرية، بل بطبيعة النظام نفسه، الذي يرى في التنازل تهديدًا وجوديًا، لا خيارًا تفاوضيًا.


التهدئة بلا اتفاق: السيناريو الأكثر واقعية
في المقابل، يقترب التحليل من الدقة حين يمنح أعلى احتمال لسيناريو "التهدئة التدريجية بلا اتفاق". فهذا المسار لا يعكس تسوية بقدر ما يجسد جوهر الصراع: إدارة محسوبة للتصعيد دون الوصول إلى نقطة الحسم. تدرك الولايات المتحدة جيدا كلفة الانزلاق إلى حرب مفتوحة طويلة، فيما ترى إيران في الصمود وإطالة أمد المواجهة وسيلة لإعادة توازن الردع.
هذا النمط من "اللاحسم" ليس فشلًا تكتيكيًا بقدر ما هو تعبير عن توازن قوى يمنع أي طرف من فرض إرادته بالكامل، ويدفع الجميع نحو خفض مدروس للتصعيد دون معالجة الأسباب الجذرية.
عامل مُغفَل: دور تل أبيب وأدوات الاستنزاف
غير أن هذا السيناريو، رغم وجاهته، لا يمكن فصله عن عامل حاسم لم يمنحه التحليل ما يستحقه من وزن: دور الدولة الصهيونية التي تعتبر المحرض الرئيسي لهذه الحرب والقائد الإستراتيجي لها. فهذه الحرب ليست ثنائية خالصة، وإيقاعها لا تحدده واشنطن وطهران وحدهما. إذ تسعى دولة الكيان إلى تحقيق أهداف استراتيجية أعمق تتجاوز مجرد احتواء إيران، ما يجعلها أقل ميلًا للانخراط في تهدئة لا تحقق لها مكاسب ملموسة، وهو ما قد يعرقل أو يؤخر أي مسار لخفض التصعيد.
إضافة إلى ذلك، يظل التركيز على المواجهة المباشرة قاصرًا عن استيعاب طبيعة الأدوات التي توظفها إيران في هذا الصراع. فالحرب لا تُخاض فقط عبر الضربات العسكرية، بل أيضًا عبر شبكات النفوذ الإقليمي واستراتيجيات الاستنزاف غير المباشر، وهي عوامل قادرة على إطالة أمد النزاع دون الحاجة إلى تصعيد تقليدي واسع.
أما سيناريو "انهيار النظام الإيراني"، الذي جاء في أدنى سلم الاحتمالات، فيمثل التقدير الأكثر واقعية في التقرير. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الأنظمة التي تواجه ضغوطًا خارجية تميل إلى التماسك الداخلي، لا التفكك، خاصة في ظل غياب بديل سياسي منظم وقادر على ملء الفراغ.

حرب بلا نهاية: من الحسم إلى إعادة إنتاج الصراع
في المحصلة، لا تكمن أهمية تحليل مجلة نيوزويك في ترتيب السيناريوهات بقدر ما تكمن في الدلالة التي تحملها أوزانها. فحين يكون أعلى احتمال هو (4/5) لتهدئة بلا اتفاق، مقابل (2/5) فقط لحسم عسكري، فإن ذلك لا يعكس توازنًا في الخيارات بقدر ما يكشف عجزًا عن تحقيق الأهداف المعلنة للحرب.
فالنتيجة الأقرب ليست "نهاية" بقدر ما هي تعليق للصراع: حرب لم تُحسم، وأهداف لم تُنجز، وجذور أزمة بقيت على حالها—من البرنامج النووي إلى معادلات الردع الإقليمي. وفي المقابل، خرجت المنطقة أكثر اضطرابًا، والأسواق أكثر هشاشة، والتوازنات أكثر قابلية للاهتزاز.
الأهم أن هذه الحرب، بدل أن تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية لصالح الولايات المتحدة والدولة الصهيونية، قد تكون ساهمت في إنتاج أثر معاكس: توسيع دوائر العداء، وتعميق مشاعر الرفض، وربما الدفع نحو تشكل بيئات سياسية وشعبية أكثر تشددًا وأقل قابلية للانخراط في تسويات مستقبلية.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: فالصراعات التي تُدار بالقوة دون معالجة جذورها لا تُنهي التطرف، بل تعيد إنتاجه بأشكال جديدة. إذ تتغذى التيارات الراديكالية—على اختلاف هوياتها—من مشاهد الصراع المفتوح، ومن الإحساس المستمر بالظلم وازدواجية المعايير. وكلما طال أمد الأزمات دون حلول عادلة، ازدادت هذه التيارات رسوخًا وانتشارًا.
وعليه، فإن ما نشهده اليوم ليس نهاية لحرب، بل إعادة تشكيل لبيئة صراع أكثر تعقيدًا:
بيئة تُؤجَّل فيها المواجهات ولا تُحل، وتُدار فيها الأزمات ولا تُنهى، وتبقى فيها احتمالات الانفجار قائمة—طالما بقيت الأسباب التي أشعلتها دون معالجة حقيقية.
 

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير