2026-04-22 - الأربعاء
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner

حين يخاف القوي من الغد: لماذا يتحول القلق الإسرائيلي إلى خطاب عدوان؟

حين يخاف القوي من الغد: لماذا يتحول القلق الإسرائيلي إلى خطاب عدوان؟
جو 24 :

كتب زياد فرحان المجالي - 

ليست كل عدوانية علامة قوة، كما أن ارتفاع النبرة لا يعني دائمًا ثقة بالنفس. في كثير من الأحيان، يصبح التصعيد هو اللغة التي تلجأ إليها الدول حين تبدأ بالشعور أن البيئة التي صنعت تفوقها لم تعد ثابتة كما كانت، وأن قواعد اللعبة التي منحتها اليد العليا لعقود لم تعد مضمونة في الغد. عند هذه اللحظة بالذات، لا يتصرف القوي بوصفه مطمئنًا إلى موقعه، بل بوصفه خائفًا عليه.

هذا ما يجعل قراءة جزء مهم من الخطاب الإسرائيلي اليوم ضرورية من زاوية أعمق من مجرد متابعة التهديدات اليومية أو التصريحات المتشددة. فالمسألة لا تتعلق فقط بما تملكه إسرائيل من قوة عسكرية أو تقنية أو استخبارية، بل بما تشعر أنها قد تخسره من قدرة على التحكم بمستقبل الإقليم. هنا بالضبط يبدأ القلق في التحول إلى عقيدة خطابية، ثم إلى سلوك سياسي، ثم إلى قابلية أعلى للذهاب نحو العدوان.

إسرائيل لم تبنِ صورتها عن نفسها على أساس التفوق العسكري فقط، بل على فكرة أكثر شمولًا: أنها الطرف القادر دائمًا على فرض الإيقاع، وامتلاك زمام المبادرة، ومنع خصومه من تعديل التوازنات من حوله. لذلك فإن أي تحوّل إقليمي لا يُقرأ في تل أبيب باعتباره تطورًا عاديًا في بيئة الشرق الأوسط، بل باعتباره احتمالًا لتآكل القدرة الإسرائيلية على احتكار تعريف الأمن، واحتكار تفسير الخطر، واحتكار حق الضربة الأولى.

من هنا يصبح القلق الإسرائيلي مفهومًا على نحو أوضح. فالدولة التي تعيش على فكرة التفوق الدائم لا تخاف فقط من هزيمة عسكرية مباشرة، بل من أي تحول بطيء يجعل تفوقها أقل حسماً، وردعها أقل تأثيرًا، وقدرتها على إخضاع المنطقة لحساباتها أقل يقينًا. ولهذا لا يكون الخوف دائمًا خوفًا من السلاح فقط، بل من الزمن، ومن تبدل البيئات، ومن صعود قوى أو معادلات أو شبكات مصالح لم تكن موجودة سابقًا، أو لم تكن بهذا القدر من الفاعلية.

في هذه الحالة، يتغير معنى العدوان نفسه. لا يعود العدوان مجرد أداة توسع أو عقاب، بل يصبح محاولة متوترة لإيقاف التاريخ عند لحظة تخدم القوة القائمة. أي أن الدولة لا تهاجم فقط لأنها قادرة، بل لأنها تشعر أن الانتظار قد يكون أكثر كلفة من الهجوم. إنها تضرب لأن الغد يبدو أقل طواعية من الأمس، ولأنها تخشى أن يصبح ما كان مضمونًا محل نزاع، وما كان بديهيًا محل تحدٍّ، وما كان محسومًا محل تفاوض.

وهنا يظهر الفرق بين القوي المستقر والقوي القلق. القوي المستقر يملك هامش الانتظار، لأنه يثق أن موقعه لن ينهار إذا لم يذهب إلى التصعيد فورًا. يستطيع أن يحتوي، يناور، يؤجل، يفاوض، ويراقب. أما القوي القلق فلا يرى في الوقت مساحةً للمناورة، بل تهديدًا إضافيًا. كل يوم يمر من دون حسم يراه خصمًا يعمل ضده، وكل تأجيل يفسره بوصفه فرصة لخصومه كي يلتقطوا أنفاسهم، ويعيدوا ترتيب صفوفهم، ويقضموا من رصيده المعنوي والسياسي والاستراتيجي.

لهذا يصبح الخطاب أكثر حدة. فاللغة هنا ليست مجرد انعكاس للموقف، بل وسيلة لترميم الثقة بالنفس. حين تكثر التهديدات، وحين يتضخم الحديث عن الردع، وحين تتكرر مفردات الحسم والضربة الوقائية واليد الطويلة، فذلك لا يعني فقط أن المؤسسة واثقة من قدرتها، بل قد يعني أيضًا أنها تحاول إقناع نفسها، وبيئتها الداخلية، وخصومها، بأن السيطرة ما زالت بيدها، وأن الهيبة لم تتصدع، وأن زمام المبادرة لم يفلت.

وفي السياق الإسرائيلي، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية، لأن بنية الأمن القومي الإسرائيلي طوال العقود الماضية قامت على منع تشكل بيئة إقليمية متحررة من شروطه. أي أن إسرائيل لم تكن تريد فقط حماية نفسها، بل كانت تريد أيضًا أن يبقى الآخرون محكومين بسقفها هي: في التسليح، وفي الحركة، وفي التحالفات، وفي قواعد الاشتباك، وحتى في حدود ما يجوز لهم أن يحلموا به سياسيًا واستراتيجيًا. لذلك فإن أي اضطراب في هذا البناء لا يُفهم في إسرائيل كمسألة نظرية، بل كإنذار استراتيجي عميق.

وكلما زاد هذا الإحساس، مال الخطاب إلى تضخيم التهديدات الخارجية. ليس فقط لأن التهديدات موجودة فعلًا، بل لأن تضخيمها يؤدي وظيفة داخلية أيضًا. فهو يبرر الاستنفار، ويعيد شد الجبهة الداخلية، ويمنح القرار السياسي غطاءً للمزيد من التشدد، ويقلص مساحة الأسئلة الحرجة حول جدوى السياسات السابقة. هكذا تتحول صورة الخصم إلى أداة لترتيب البيت الداخلي، ويصبح الخطر الخارجي مادة لإعادة إنتاج الانضباط الداخلي حول الدولة وخياراتها الأمنية.

لكن أخطر ما في القوي القلق أنه قد يصبح أكثر ميلًا إلى قرارات مكلفة وغير متزنة. فحين تشعر القوة أن مكانتها مهددة، قد لا تتصرف دائمًا بعقل بارد، بل بمنطق استباقي متوتر: أضرب الآن قبل أن تتغير البيئة أكثر، صعّد الآن قبل أن يصبح الردع أضعف، وسّع المعركة الآن قبل أن تتعدد القيود. في هذه اللحظة، لا يعود السؤال: هل الحرب ضرورية فعلًا؟ بل يصبح: هل يمكن تحمل كلفة عدم الحرب؟ وهنا بالذات تكمن الخطورة.

لأن الدولة القلقة لا تتعامل مع التصعيد كخيار من بين خيارات، بل كوسيلة لمنع الانحدار النفسي والاستراتيجي. وحتى حين تعرف أن الحرب لن تحقق حسمًا كاملًا، فإنها قد تراها ضرورية لإعادة فرض الصورة القديمة عن نفسها، أو على الأقل لمنع انهيارها الكامل. وهذا ما يجعلها أكثر استعدادًا للمغامرة، وأكثر ميلًا إلى خلط الأهداف، وأكثر قابلية لفتح معارك لا تملك ضمانات حقيقية لإنهائها كما تشاء.

من هذه الزاوية، لا يبدو كثير من الصخب الإسرائيلي الراهن مجرد ثقة فائضة بالنفس، بل يمكن قراءته أيضًا بوصفه تعبيرًا عن قلق عميق من لحظة إقليمية تتحرك، ومن خرائط تعاد صياغتها، ومن قوى تحاول أن تجد لنفسها موطئ قدم خارج المعادلات التقليدية التي اعتادت إسرائيل أن تديرها أو تضبطها أو تهددها. وهذا ما يفسر لماذا يشتد خطاب الردع أحيانًا كلما ازداد الإحساس بأن الردع لم يعد كافيًا وحده.

إن القوي المستقر لا يحتاج إلى استعراض دائم. أما القوي القلق فيكثر من الإشارات الصاخبة لأنه يخشى أن الصمت قد يُقرأ ضعفًا، وأن التريث قد يُفهم تراجعًا، وأن قبول التبدل قد يفتح الباب لتغيرات أكبر من قدرته على الاحتمال. ولهذا يصبح العدوان، في بعض الأحيان، ليس ذروة الثقة، بل ذروة الخوف.

وهنا نصل إلى المعنى الأعمق: ليست المشكلة فقط في أن إسرائيل قوية، بل في أن القوة حين تختلط بالقلق تصبح أكثر قابلية للاندفاع. فالقوة المستقرة يمكن ردعها بتوازنات واضحة، أما القوة القلقة فقد تعيد تعريف المخاطر والفرص بطريقة أكثر اضطرابًا، لأنها لا تدافع فقط عن أمنها المباشر، بل عن صورتها، ومكانتها، وفكرتها عن نفسها، وعن النظام الذي اعتادت أن تتصدره.

لهذا فإن أخطر أنواع القوة ليست دائمًا تلك المطمئنة إلى نفسها، بل تلك التي تشعر أن المستقبل لم يعد مضمونًا لها كما كان. وعند هذه النقطة، لا يصبح السؤال: لماذا يهدد القوي؟ بل: ماذا يفعل القوي حين يبدأ بالخوف من الغد؟

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير