في ذكرى رحيل المشير حابس رفيفان المجالي... حين يكون الرجال أكبر من المناصب
جو 24 :
كتب - زياد فرحان المجالي
في الثاني والعشرين من نيسان، لا يستعيد الأردنيون مجرد تاريخ وفاة رجل كبير، بل يستعيدون سيرة وطنية نادرة، لرجلٍ بقي حاضرًا في الذاكرة كما لو أنه لم يغب. ففي مثل هذا اليوم رحل المشير الركن حابس رفيفان المجالي، لكن الأسماء الكبيرة لا ترحل حقًا، لأنها تترك في وجدان الشعوب ما هو أبقى من العمر، وأعمق من المناصب، وأصدق من الكلمات.
كان حابس المجالي من ذلك الطراز النادر من الرجال الذين إذا ذُكروا، ذُكرت معهم الهيبة والنزاهة والشرف والانتماء. لم يكن مجرد قائد عسكري كبير، ولا مجرد اسم لامع في سجل المؤسسة العسكرية الأردنية، بل كان صورة مكتملة للرجل الأردني الذي جمع بين صلابة الميدان ونظافة اليد، وبين الشجاعة العسكرية ونقاء السيرة، وبين الحزم في موقع المسؤولية والتواضع في حضرة الناس.
وحين يتحدث الأردنيون عن حابس المجالي، فإنهم لا يتحدثون فقط عن قائدٍ خاض معارك وسجل انتصارات، بل عن رجلٍ عُرف بـنظافة الفرج، ونظافة الجيب، ونظافة اليد، وهي شهادة لا تُمنح في وجدان الناس بسهولة، ولا تبقى حيّة إلا إذا كانت مستندة إلى حياة كاملة من الاستقامة. لقد كان، في نظر الأردنيين، واحدًا من أولئك الرجال الذين لم تفسدهم المناصب، ولم تغيّرهم الرتب، ولم تغرهم السلطة، فبقي قريبًا من ضمير الوطن، نقيًّا كما عرفه الناس، كبيرًا كما أراد له تاريخه.
وقد يكون من أجمل ما يقال في حق هذا الرجل أن محبته لم تكن محصورة في فئة، ولا في منطقة، ولا في عشيرة، ولا في طبقة. لقد أحبه الأردنيون من شمال المملكة إلى جنوبها، واحترمه الناس على اختلاف مواقعهم وأصولهم ومكاناتهم، لأنهم رأوا فيه رجل الدولة النظيف، والجندي الشريف، والقائد الذي لم يتبدل. كان محل إجماع قلّ نظيره، لأن سيرته لم تُبنَ على الدعاية، بل على الموقف، ولم تُصنع في الخطابات، بل في الميدان والخلق والوفاء.
أما عسكريًا، فقد كان المشير حابس المجالي علمًا من أعلام البطولة الأردنية والعربية. ارتبط اسمه بمعارك خالدة في الذاكرة، وفي مقدمتها اللطرون وباب الواد، حيث سُطّرت صفحات مشرقة من تاريخ الجيش العربي الأردني. هناك، لم يكن حابس مجرد ضابط يقود جنوده من بعيد، بل كان عنوانًا للشجاعة والإقدام والثبات، حتى استحق عن جدارة أن يُذكر بوصفه أحد الرموز العسكرية التي يشار إليها بالبنان. كانت له صولات وجولات، وكان حضوره في المعركة أشبه برسالة ثقة لمن معه، ورسالة حزم لمن يواجهه.
لكن ما جعل حابس المجالي أكبر من مجرد بطل عسكري، هو أن بطولته لم تنفصل عن أخلاقه. كثيرون يخوضون المعارك، لكن قليلين هم الذين يخرجون منها محمولين على أكتاف الاحترام الشعبي جيلاً بعد جيل. ذلك أن الناس لا تحفظ فقط من انتصر، بل تحفظ من بقي شريفًا، مستقيمًا، وفيًا لوطنه، نظيف السيرة والسريرة. وهذا ما كانه حابس المجالي بالضبط.
في ذكرى وفاته، لا نرثي رجلًا بقدر ما نحيي قيمة. نحيي معنى أن يكون المسؤول نظيفًا، والقائد وفيًا، والعسكري صاحب مبدأ، والوطني صادق الحب للأردن وأهله. نحيي رجلًا أحب الأردن حبًا لا يوصف، فأحبه الأردنيون بالمقدار نفسه، وربما أكثر. ولهذا بقي اسمه في القلوب قبل الكتب، وفي الذاكرة قبل الأرشيف.
رحم الله المشير الركن حابس رفيفان المجالي، رحمةً تليق برجلٍ عاش كبيرًا، ورحل كبيرًا، وبقي أكبر في ذاكرة وطنه. سيظل اسمه واحدًا من تلك الأسماء التي تمنح الأردنيين شعورًا بالفخر، وتعيد إلى الذاكرة زمن الرجال الذين كانت هيبتهم من أخلاقهم، ومكانتهم من نظافة تاريخهم، ومحبتهم من صدق انتمائهم.







