jo24_banner

حين تنفصل العقوبة عن مبدأ العدالة

شيرين قسوس
جو 24 :


تجاوزت غرامات السير في الآونة الأخيرة وظيفتها التقليدية المتمثلة في تنظيم المرور وضمان السلامة العامة، لتتحول إلى نمط من التضخم العقابي الذي يرهق كاهل المواطن ويفتقر إلى التوازن المطلوب بين الردع والعدالة. إن الصيغ الجديدة لهذه المخالفات تبتعد عن سياق الإصلاح السلوكي لتصبح أداة ضغط مالي واجتماعي لا تتماشى مع الواقع المعيشي أو المبادئ القانونية المستقرة، مما يعكس خللاً في فلسفة العقاب وتطبيقاتها.
ويظهر هذا الخلل بوضوح في تجريم سلوكيات شخصية داخل المركبة، كالأكل أو الشرب أو التدخين، وهو ما يعد مساساً بالخصوصية الفردية وتعدياً على الحيز الشخصي للمواطن. فالمركبة ليست مجرد أداة للنقل، بل هي ملكية خاصة يجب ألا تخضع لسلطة الضبط إلا في حالات الضرر المباشر والواضح، بعيداً عن الوصاية المبالغ فيها التي تفتح الباب لتوسع غير مبرر في صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب حقوق الأفراد.
كما تبرز إشكالية قانونية في اعتماد أنظمة احتساب السرعة التقديرية بين الكاميرات، حيث إن العدالة الجزائية تقتضي استناد العقوبة إلى اليقين المطلق وليس الاحتمال أو التقدير الرياضي. وبما أن القاعدة الراسخة تنص على أن الشك يُفسر لصالح المتهم، فإن إدانة السائق بناءً على حسابات زمنية قد تتضمن هامشاً من الخطأ تهز مشروعية المخالفة وتجعلها تفتقر إلى الدليل القاطع.
ويمتد هذا التجاوز القانوني ليشمل تحميل السائق مسؤولية إهمال الراكب لربط حزام الأمان، وهو ما يضرب مبدأ شخصية العقوبة في مقتل. فمن غير المنصف قانوناً معاقبة فرد على فعل ارتكبه غيره، خاصة في ظل صعوبة فرض السيطرة الكاملة على سلوك الركاب، مما يعكس سوء فهم لحدود المساءلة القانونية. ويزداد المشهد تعقيداً عند استحداث مخالفات تفتقر إلى الغطاء التشريعي الواضح، مما يعد قفزاً فوق مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" الذي يمثل الضمانة الأساسية ضد التعسف وتغول السلطة الإدارية.
ويتجلى غياب الإنصاف في فرض هذه المنظومة المتشددة دون توفير بدائل حقيقية للمواطن، إذ لا يمكن المطالبة بالتزام مروري مثالي في ظل غياب شبكة نقل عام فعالة ومنتظمة تغطي كافة المناطق. إن العدالة تقتضي توفير الخيارات والخدمات قبل اللجوء إلى العقوبات، وتجاهل البنية التحتية يضع كامل العبء على الفرد وحده. إن ما نشهده اليوم يمثل اختلالاً في المعادلة بين السلطة والحق، حيث يؤدي شعور المواطن بأن القانون أصبح وسيلة للإثقال عليه بدلاً من حمايته إلى زعزعة الثقة في النهج الذي تُدار به المنظومة المرورية ككل.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير