jo24_banner

إسلام آباد… من التفاوض المباشر إلى حرب الرسائل

إسلام آباد… من التفاوض المباشر إلى حرب الرسائل
جو 24 :
كتب -  زياد فرحان المجالي
هذا النص لا يتحدث عن فشل لقاء في إسلام آباد بقدر ما يكشف لحظة انتقال في طبيعة الصراع بين واشنطن وطهران. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بسؤال: هل التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوثين الأميركيين أم لا؟ بل بسؤال أعمق: هل انتقل الصراع من محاولة تفاوض مباشر إلى مرحلة رسائل غير مباشرة، وحرب نفسية، واختبار إرادات؟

إلغاء سفر ويتكوف وكوشنر إلى باكستان لم يكن تفصيلًا عابرًا. الرئيس الأميركي دونالد ترامب أراد أن يحوّل الإلغاء إلى رسالة قوة. قال إن كل الأوراق بيد واشنطن، وإن إيران إذا أرادت الحوار فعليها أن تتصل. ظاهريًا، تبدو العبارة حاسمة، لكنها تكشف في العمق أن الباب لم يُغلق. فلو كانت واشنطن ذاهبة إلى الحرب فورًا، لما احتاج ترامب إلى ترك خط الاتصال مفتوحًا. ولو كانت كل الأوراق بيدها فعلًا، لما احتاجت إلى هذا الحجم من الضغط العسكري والبحري والسياسي.

من هنا، تبدو إسلام آباد أقرب إلى مسرح حرب نفسية منها إلى محطة دبلوماسية عادية. واشنطن أرادت أن تظهر أن إيران تراجعت أو ارتبكت أو لم تقدم شيئًا يستحق سفر المبعوثين الأميركيين. أما طهران، فحاولت أن تقول العكس: نحن لم نطلب لقاءً مباشرًا تحت الضغط، بل نقلنا موقفنا عبر الوسيط الباكستاني، ولا نذهب إلى تفاوض يُقدَّم للرأي العام كأنه استسلام.

في القراءة الإيرانية، التفاوض لا يبدأ من موقع الإذلال. إيران تريد أن تقول إنها مستعدة للدبلوماسية، لكنها ليست مستعدة للجلوس إلى طاولة تفرض عليها شروطًا مسبقة، خصوصًا في ظل استمرار الحصار البحري، والضغط على الموانئ، والحديث الأميركي عن خطوط حمراء في ملف التخصيب واليورانيوم عالي التخصيب. لذلك فإن غياب اللقاء المباشر ليس دليل ضعف بالضرورة، بل قد يكون جزءًا من إدارة سياسية مقصودة: لا تفاوض تحت الحصار، ولا لقاء مباشر قبل تثبيت قواعد الاحترام والندية.

أما واشنطن، فهي تدير المشهد بطريقة مزدوجة. من جهة، ترفع سقف الخطاب وتقول إن إيران مرتبكة وإن القيادة هناك غير واضحة. ومن جهة أخرى، لا تغلق قنوات الاتصال، ولا تعلن أن المسار الدبلوماسي انتهى. هذه الازدواجية تعني أن الولايات المتحدة لا تريد خسارة ورقة التفاوض، لكنها تريد أن تبقي إيران تحت ضغط دائم حتى تصل إلى الطاولة بشروط أضعف.

إسرائيل تراقب هذه اللحظة بقلق خاص. فهي لا تخشى فشل التفاوض فقط، بل تخشى نجاحه الناقص. تخشى أن تصل واشنطن وطهران إلى اتفاق يجمّد الحرب من دون أن يفكك قدرات إيران النووية والصاروخية، ومن دون أن يحقق لإسرائيل صورة النصر الكامل التي تريدها. لذلك تبدو تل أبيب معنية بإبقاء الحصار قائمًا، وإبقاء الضغط حاضرًا، ومنع أي تسوية تمنح طهران متنفسًا اقتصاديًا وسياسيًا سريعًا.

في المقابل، تملك إيران ورقتها الخاصة: هرمز. فواشنطن قد تمتلك حاملات الطائرات والحصار البحري، لكن طهران تملك القدرة على إرباك الملاحة ورفع كلفة الطاقة والتأمين في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. وهذا ما يجعل خطاب "كل الأوراق بيدنا” غير دقيق. الأوراق موزعة، وإن كانت غير متساوية. أميركا تملك قوة الضرب والحصار، وإيران تملك قدرة التعطيل ورفع الكلفة.
الخلاصة أن إسلام آباد لم تكن نهاية المسار، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا. لم تعد المسألة لقاءً فشل أو رحلة أُلغيت، بل انتقالًا من التفاوض المباشر إلى الرسائل غير المباشرة، ومن الطاولة إلى الوسطاء، ومن الدبلوماسية الهادئة إلى حرب نفسية مفتوحة.

واشنطن لا تفاوض من موقع انتصار كامل، وطهران لا تفاوض من موقع هزيمة كاملة. كل طرف يحاول أن يحوّل الهدنة إلى ورقة ضغط، والوساطة إلى اختبار قوة، والرسالة إلى معركة جديدة. وفي هذا المعنى، فإن إسلام آباد لم تغلق الباب، بل كشفت أن الحرب لم تنتهِ بعد، وأن التفاوض نفسه أصبح جزءًا من الحرب.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير