البنوك الأردنية: أداء ربعي متفاوت يلفت الأنظار!!
جو 24 :
كتب د. عدلي قندح
تشير البيانات المالية للبنوك الأردنية للربع الأول من عام 2026 إلى مشهد مصرفي غير متجانس، تتقاطع فيه مؤشرات النمو القوي مع إشارات التراجع الحاد، في صورة تعكس أكثر من مجرد نتائج مالية دورية، بل تكشف عن تحولات هيكلية عميقة في أداء القطاع وكفاءته.
ففي الوقت الذي حققت فيه بعض البنوك قفزات لافتة في صافي أرباحها، تجاوزت في بعض الحالات 170%، شهدت بنوك أخرى تراجعات حادة وصلت إلى أكثر من 60%. هذا التباين الحاد لا يمكن تفسيره بعوامل ظرفية قصيرة الأجل فقط، بل يرتبط بشكل وثيق بجودة الإدارة، وكفاءة توظيف الموارد، وفعالية إدارة المخاطر.
وعلى الرغم من هذه التفاوتات، يظهر الأداء الكلي للقطاع استقراراً نسبياً، مع تراجع طفيف في إجمالي الأرباح بنسبة تقارب 2%، وهو ما يشير إلى حالة من "التوازن الهش” بين العوائد والمخاطر في البيئة المصرفية الحالية.
من منظور مالي، تبدو البنوك التي حققت نمواً مرتفعاً أكثر قدرة على الاستفادة من بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، من خلال تحسين هوامش الفائدة وإعادة تسعير محافظها الائتمانية بمرونة، إلى جانب تنويع مصادر الدخل. في المقابل، تواجه البنوك التي سجلت تراجعاً في أرباحها تحديات تتعلق بارتفاع كلفة الأموال، أو زيادة المخصصات، أو ضعف جودة الأصول.
أما محاسبياً، فإن جزءاً من هذا التراجع قد يعكس توجهاً أكثر تحفظاً في تكوين المخصصات، في إطار تطبيق المعايير الدولية للتقارير المالية، وهو ما يعزز متانة المراكز المالية على المدى الطويل، وإن كان يضغط على الأرباح في الأجل القصير.
اقتصادياً، تأتي هذه النتائج في ظل بيئة نقدية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما يخلق مفارقة معروفة في العمل المصرفي: فبينما ترتفع إيرادات الفوائد، تزداد في الوقت ذاته مخاطر التعثر، مما يضع البنوك أمام معادلة دقيقة بين تحقيق الربحية والحفاظ على جودة الأصول.
وفي هذا السياق، يبرز دور الحوكمة كعامل حاسم في تفسير هذا التباين. فالبنوك التي تتمتع بهياكل حوكمة قوية، ومجالس إدارة فعالة، وأنظمة متقدمة لإدارة المخاطر، تبدو أكثر قدرة على تحقيق توازن مستدام بين النمو والاستقرار. لم تعد الربحية مجرد انعكاس لحجم النشاط، بل أصبحت مرآة مباشرة لجودة القرار المؤسسي.
كما تعكس هذه النتائج أهمية التحول نحو نماذج أعمال مصرفية أكثر مرونة، تعتمد على التنويع، والتكنولوجيا، والتحليل المتقدم للمخاطر، بدلاً من الاعتماد التقليدي على الإقراض فقط.
بالنسبة للمستثمرين، تحمل هذه المؤشرات رسائل مزدوجة: فمن جهة، توفر البنوك ذات الأداء القوي فرصاً استثمارية واعدة، ومن جهة أخرى، تستدعي الحذر في تقييم استدامة هذا النمو، خاصة في ظل بيئة اقتصادية متقلبة.
باعتقادي ان القطاع المصرفي الأردني لا يعاني من أزمة شاملة، بل يمر بمرحلة إعادة فرز حقيقية، تميز بين بنوك قادرة على التكيف مع المتغيرات، وأخرى لا تزال تواجه تحديات في مواكبة التحولات. وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في إعادة تشكيل خريطة القطاع، تحت عنوان رئيسي: الحوكمة أولاً، ثم الربحية.
هذا التباين، وإن كان يحمل في طياته بعض المخاطر، إلا أنه يعكس أيضاً ديناميكية صحية، شرط أن يُدار ضمن إطار رقابي فعال، يضمن استقرار النظام المالي ويعزز ثقة المستثمرين في آن واحد.







