سلوى العمد: وداعاً "ليدي" المقاومة!
كمال ميرزا
جو 24 :
رحم الله المناضلة العتيدة والدكتورة القديرة "سلوى العمد" التي وافتها منيّتها وأسكنها فسيح جنانه.
من الأحاديث الصحيحة المأثورة في تراثنا عن الرسول صلى الله عليه وسلّم: ((إنّ الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل مَن وصلكِ، وأقطع مَن قطعكِ؟ قالت: بلى. قال: فذلك لكِ)).
الدكتورة "سلوى العمد" هي رحم قطعناها جميعاً وسنساءَل عنها جميعاً.. من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر!
الدكتورة "سلوى" من القلّة في هذا الزمان الذين يذكرونني ببيت فارس الشعراء وشاعر الفرسان "أبو فراس الحمداني": أيا جارتا ما أنصفَ الدهر بيننا...!
نعم، لا الدهر ولا نحن قد أنصفنا الدكتورة "سلوى العمد"، ولا عجب؛ فنحن أمّة قد بلغنا مبلغاً أصبحنا نتنكّر فيه لشهدائنا، وندسّهم في التراب في الخفاء وعلى استحياء.. فهل سننصف مناضلاً حيّاً يعيش بين ظهرانينا؟!
الدكتورة "سلوى" هي ثاني قامتين أتيحت لي فرصة التعرّف إليهما شخصيّاً خلال مزاولتي المقتضبة للتدريس الجامعيّ، ولن أقول "مزاملتهما" من قبيل "العين ما بتعلا عن الحاجب"!
القامة الأولى هو الدكتور الشاعر المناضل "عز الدين مناصرة" رحمه الله.
إلى جانب تاريخهما الطويل الذي لا ينتظر شهادةً من غِرٍّ مثلي، فإنّ ما ميّز الدكتورة "سلوى" والدكتور "عز الدين":
أولاً لطافتهما وإنسانيّتهما ودفئهما وتواضعهما.
ثانياً استجلابهما حقد الآخرين حدّ الكيد لهما دون أن يصدر عنهما ما يستدعي مثل هذا الحقد وما يستوجب مثل هذه المكيدة؛ إذ يكفي هذه الأيام أن تكون عملاقاً حتى يتذكّر الأقزام كم هم أقزام، ويكفي أن تكون نظيفاً حتى يتذكر القذرون كم هم قذرون، ويكفي أن تكون مُخلِصاً عزيز النفس سامي الروح صاحب كرامة وكبرياء وأَنَفَة حتى يتذكّر الأنذال والخسيسون والوضيعون والرخيصون والجوعى جوعاً بنيويّا كم هم كذلك!
في البدايات كانت علاقتي مع الدكتورة "سلوى" لا تتعدى احترامي وتوقيري لها "من بعيد لبعيد"، أو "مرحبا.. أهلين" إذا تصادفنا في ممرّات الكليّة أو جمعنا مجلس مشترك مع مدرّسين آخرين.
ولكن في مرحلة لاحقة، عُهد إليّ بسكرتاريا تحرير جريدة قسم الصحافة حديث التأسيس الذي أُدرّس فيه، وقد شرعنا فعلاً بتجهيز العدد الأول من الجريدة ليتزامن صدوره مع الاحتفال باليوم العالميّ لحريّة الصحافة.
العدد، والذي كتب مواده بالكامل طلاب القسم، كانت يتضمن مادتين نوعيّتين عن شهداء الكلمة وحرية التعبير، الأولى عن "غسان كنفاني" الذي هو أشهر من نار على علم وملء السمع والبصر، والثانية عن "ميشيل النمري" الذي لم أكن أنا نفسي قد سمعتُ باسمه قبل ذلك.
وعند الشروع بالإخراج الفنيّ للجريدة، لم أستطع أن أجد عبر الانترنت صورة بحجم وجودة يتناسبان مع متطلبات الطباعة للمرحوم "ميشيل النمري".
ما هو الحل؟
توجّهتُ إلى الدكتورة "سلوى"، وسألتها بأدب ما إذا كانت تستطيع تزويدنا بصورة أو أكثر للراحل "ميشيل".
طلبي هذا استثار استغراباً واعجاباً مضاعفَين لدى الدكتورة "سلوى"؛ فمن ناحية مَن هذا الشاب الذي يسأل عن "ميشيل النمري" وأجيال وأوساط كاملة تجهل اسمه (أو تتجاهله)؟! ومن ناحية أخرى مَن أين تناهى لي أن أقصدها هي بالذات للحصول على صورة صالحة لـ "ميشيل"؟!
وبالفعل، في اليوم التالي، أحضرتْ لي الدكتورة "سلوى" من أرشيفها الخاص صورة تظهر فيها داخل استوديو المقاومة الفلسطينيّة في بيروت سنة 1982 بمعيّة الختيار (أبو عمّار) بشحمه ولحمه، و"ميشيل النمري"، ومجموعة من الأشخاص لن أذكر أسماءهم لأنّ منهم من ستسوؤه هذه الصورة بكونها ستذكّره بالمناضل الذي كانه فيما مضى، وبالانتهازيّ والوصوليّ والقُطْريّ وطَلّاب المال والحظوة والمنصب الذي أصبح عليه فيما بعد!
عدد الجريدة في نهاية المطاف لم يصدر بالطريقة التي أردنا له أن يصدر بها، وقسم الصحافة برمّته قد أُغلق (أم أقول تمّ اغتياله).. إلّا أنّ هذا لم يحل دون أن تتوطد علاقتي بالدكتورة "سلوى" منذ تلك اللحظة صعوداً.
وتوطدتْ العلاقة أكثر بعد أن شاءت لي الأقدار بعدها بمدة (وكنتُ قد تركتُ التدريس) أن أتعرّف بالحبيب الغالي المرحوم "غطاس صويص/ نزيه أبو نضال"، لأصبح بمعيّة زميلة نضاله الدكتورة "سلوى" وآخرين ضيوفاً دائمين في صالونه وعلى مائدة عشائه هو والحبيبة الغالية "نينا الجدع" (أم نضال) أطال الله في عمرها ومتّعها بالصحة والعافية.
طبعاً كلّ مَن عرف الدكتورة "سلوى العمد" شخصيّاً يعلم ما كانت تتمتع به من جمال باهر في ريعان شبابها، وطوال سنين عمرها.. ولو طلبنا من معاصريها ومجايليها أن يطلقوا عليها لقباً لما تردّدوا لحظةً في منحها اسم "حسناء المقاومة" بلا منازع!
ولكن لقب "حسناء" هنا لن يفي الدكتورة "سلوى" حقّها لما فيه من نزعات "ذكوريّة" مضمرة، ولما فيه من تشييء مضمر للدكتورة "سلوى"، وبكون جمال عقل الدكتورة "سلوى"، وجمال وعيها، وجمال مواقفها، وجمال طباعها وسلوكها وأخلاقها ودماثتها.. جميعا تتفوّق على جمال مظهرها.
لذا أنا أرى أنّ الدكتورة "سلوى" أجدر بلقب "ليدي المقاومة" واللقب أجدر بها، وبشكلّ يذكّرنا ويذكّر الأجيال اللاحقة أنّ المقاوم الحقيقيّ لا يمكن أن يكون إلّا إنساناً راقياً خلوقاً ابن عالم وناس.. وأنّ "الشرشوح" و"الصئائي" و"الحفرتلي" و"قليل الأصل" لا يمكن أن يكون مناضلاً حقيقيّاً مهما ادّعى ذلك وجرّب ذلك وسطّر المذكرات والأكاذيب التي تحاول تأكيد ذلك!
رحم الله الدكتورة "سلوى العمد"، هذه السيدة المُقدّرة والقامة المُبجّلة، وألهم أهلها ومحبيها ومريديها الصبر والسلوان.







