نُخب ما بعد الكرسي… حين يتحول العجز إلى خطاب
جو 24 :
كتب د. نعيم الملكاوي
في الأردن، لا يختفي المسؤول عندما يغادر منصبه… بل يبدأ.
يخرج من الباب الرسمي، ليدخل من نافذة التصريحات وطحن الهواء . يتخلى عن القرار، ويتمسك بالميكروفون. وفجأة، يصبح ما كان مستحيلاً في موقع السلطة، ممكناً في ميادين الهرج والكلام.
المشهد بات مكشوفاً إلى حد الفجاجة:
رؤساء حكومات ووزراء ومدراء سابقون، كانوا جزءاً من منظومة القرار—بل في قلبها—يخرجون علينا اليوم بخطاب ناقد، حاد أحياناً، ومشحون بنبرة "اكتشاف متأخر” لعلل الدولة والمجتمع.
لكن السؤال الذي لم يعد قابلاً للتأجيل:
لماذا لم تُكتشف هذه العلل إلا بعد مغادرة الكرسي؟
في الملفات الاقتصادية، نسمع اليوم تنظيراً عن ضرورة تخفيف العبء عن المواطن، وعن تحفيز النمو، وعن عدالة ضريبية. نفس هذه العناوين كانت على طاولة من يتحدثون الآن، لكن ما حدث فعلياً كان العكس: توسيع في الجباية، تضييق في الخيارات، وتآكل في الطبقة الوسطى.
فهل كانت الرؤية غائبة؟
أم أن الجرأة كانت مؤجلة… إلى ما بعد انتهاء الصلاحيات؟
وفي الإدارة العامة، يخرج علينا من يتحدث عن الترهل والبيروقراطية وكأنها ظاهرة طارئة، لا نتاج سنوات من القرارات المتراكمة، والتعيينات القائمة على الترضيات، وإعادة تدوير المواقع بين نفس الدوائر الضيقة.
من صنع هذه البنية المعطوبة؟ ومن حافظ عليها؟
ومن استفاد منها؟
ثم نصل إلى الملف الأكثر حساسية: إعادة إنتاج النخب.
نفس الأسماء التي تتنقل بين المواقع، ثم بين المنابر، ثم تعود مجدداً عبر "خطاب إصلاحي” جديد. كأن المشكلة كانت في الموقع لا في الشخص، وكأن تبديل الكرسي كفيل بمحو التجربة السابقة.
بل إن الصورة تصبح أكثر قتامة حين لا يقتصر الأمر على تدوير المناصب، بل يمتد—في بعض الحالات—إلى ما يشبه توريثها داخل الدوائر الضيقة أو العائلية.
أسماء تتكرر، مواقع تنتقل، ونفوذ يُعاد إنتاجه بوجوه مختلفة تحمل ذات الامتداد.
وهنا لا يعود الحديث عن خبرة تُنقل، بل عن فرص تُغلق، وكأن المجال العام حكرٌ على فئة بعينها، فيما يُترك الباقون على هامش الانتظار.
والمفارقة الأكثر قسوة، حين يخرج بعض هؤلاء أنفسهم ليطالبوا المواطن بـ"التقشف” و"شدّ الحزام”.
يتحدثون عن ضرورة الصبر، وضبط الإنفاق، وتحمل المرحلة… وكأن المواطن كان يعيش في بحبوحة قبل نصائحهم المتأخرة.
أي حزام هذا الذي لم يُشدّ بعد؟ وأي مساحة بقيت ليُطلب منها مزيد من التضييق؟
المواطن الذي أنهكته الضرائب، وضيّقت عليه كلفة المعيشة وثبات الرواتب ، لم يعد يملك رفاهية "النصيحة”، ولا قدرة على تحمّل دروس تأتي ممن كانوا يملكون القرار وفضّلوا إدارة الأزمة بدل حلّها.
ما يجري ليس مراجعة… بل إعادة تسويق.
وليس نقداً ذاتياً… بل محاولة استباق للذاكرة العامة.
الأخطر أن بعض هذه الأصوات لا تكتفي بالنقد، بل تطرح حلولاً تعلم يقيناً أنها تصطدم بجدار الواقع—المالي والسياسي—الذي كانت جزءاً من بنائه. حلول بلا كلفة، لأنها ببساطة تُقال من خارج المسؤولية.
وهنا يصبح الخطاب أخطر من الصمت، لأنه يخلق وهماً بالإصلاح دون أن يقدّم له أساساً.
لنكن أكثر صراحة:
الدولة لا تُدار بالذكريات، ولا تُصلح بالتصريحات ولا بإعادة انتاج الذات .
والمصداقية لا تُمنح لمن اكتشف الحقيقة متأخراً، بل لمن واجهها في وقتها.
المواطن الأردني اليوم لا يبحث عن نخب تجيد الكلام بعد التجربة، بل عن نخب تُنجز أثناءها. لا يريد إعادة بث نفس الوجوه بخطاب مختلف، بل يريد كسر الحلقة التي تجعل الفشل قابلاً لإعادة التدوير.
من حق أي مسؤول سابق أن يتحدث، لكن ليس من حقه أن يتصرف وكأنه لم يكن جزءاً من المشكلة.
ومن أراد أن يُقنع الناس، فعليه أن يجيب بوضوح:
ماذا فعلت عندما كنت تملك القرار؟
ولماذا تطلب اليوم أن نصدق ما لم نره بالأمس؟
أما خاتمة القول ، فهي أبسط مما يظنون وأقسى مما يحتملون:
حين يصبح المنصب قابلاً للتدوير… والتأثير قابلاً للتوريث… والكلام بديلاً عن الفعل،
فالمشكلة لم تعد في الأشخاص فقط… بل في طريقة إنتاجهم والنهج القائم على رعايتهم .
وبين الصمت والفشل ، التدوير والتوريث يستحضر احدهم ليكرر الفشل بصوت اعلى ، حينها لا يدفع المواطن الثمن مرة واحدة…
بل يدفعه جيلاً بعد جيل.







