jo24_banner

بن غوريون كمطار حرب: حين تتحول إسرائيل إلى منصة أميركية متقدمة

بن غوريون كمطار حرب: حين تتحول إسرائيل إلى منصة أميركية متقدمة
جو 24 :
 كتب - زياد فرحان المجالي

لم يكن النشاط الجوي الأميركي غير العادي في مطار بن غوريون تفصيلًا لوجستيًا عابرًا، ولا مجرد حركة طيران عسكرية يمكن وضعها في خانة الروتين. حين تتحدث التقارير عن عشرات طائرات التزويد بالوقود، وجسر جوي من طائرات النقل الثقيلة، وتمركز معدات وذخائر ومنظومات دفاع، فإننا لا نكون أمام مشهد دعم عسكري محدود، بل أمام إعادة تشكيل للمسرح العملياتي كله.

من وجهة نظر مراقب استراتيجي وكاتب يتابع مذكرات هذه الحرب يومًا بيوم، تبدو الصورة أوضح من الرواية الرسمية. فالهدنة المعلنة لا تعني أن الحرب توقفت، بل تعني أن الأطراف تستخدم الوقت لإعادة التموضع. الولايات المتحدة لا تغادر المنطقة، ولا تخفف حضورها، بل تنقل ثقلها إلى نقاط أكثر حساسية. ومطار بن غوريون، في هذا السياق، لم يعد فقط بوابة إسرائيل الجوية المدنية، بل يتحول تدريجيًا إلى عقدة لوجستية أميركية في قلب الجبهة.

الأهمية الكبرى لا تكمن في عدد الطائرات فقط، بل في نوعها. فطائرات التزويد بالوقود مثل KC-46A وKC-135 لا تُرسل عادة بكثافة إلا عندما تكون هناك احتمالات عمليات جوية بعيدة المدى. هذه الطائرات هي التي تمنح المقاتلات القدرة على البقاء في الجو، وتوسيع مدى الضربات، وتحويل أي قرار سياسي بالتصعيد إلى قدرة عسكرية قابلة للتنفيذ. أما طائرات النقل من طراز C-17، فهي مؤشر على أن واشنطن لا تكتفي بالاستعراض، بل تنقل ذخائر ومنظومات ومعدات دفاعية وهجومية تؤسس لمرحلة قادمة.

هنا يصبح السؤال: هل تستعد واشنطن للحرب أم تمنعها؟ الجواب الأكثر دقة أنها تفعل الأمرين معًا. فهي ترفع كلفة أي اندفاع إيراني، وتطمئن إسرائيل بأنها ليست وحدها، وفي الوقت نفسه تحتفظ بخيار الضربة إذا انهار المسار السياسي. هذه هي طبيعة المرحلة: لا حرب شاملة معلنة، ولا سلام حقيقي، بل هدنة تحت الحصار، وحصار تحت التهديد، وتهديد تحت سقف التفاوض.

الأخطر أن هذا الانتشار يأتي في لحظة انتقل فيها مركز الصراع من الملف النووي وحده إلى مضيق هرمز والملاحة والطاقة. فحين تصبح الممرات البحرية جزءًا من الصراع، تحتاج الولايات المتحدة إلى قواعد إسناد قريبة، وإلى قدرة على التحرك السريع، وإلى شبكة دفاعية تحمي إسرائيل والقوات الأميركية ودول الخليج في آن واحد. لذلك فإن بن غوريون هنا ليس مجرد مطار، بل قطعة في خريطة أوسع تمتد من هرمز إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى المتوسط.

بالنسبة لإسرائيل، هذا المشهد يحمل طمأنة وقلقًا في الوقت نفسه. الطمأنة أن القوة الأميركية حاضرة على الأرض والجو. والقلق أن القرار النهائي لم يعد إسرائيليًا وحده. فكلما زاد الحضور الأميركي، زادت قدرة واشنطن على ضبط توقيت الحرب وحدودها. إسرائيل تريد حربًا تحقق أهدافها الكاملة ضد إيران، بينما ترامب يريد ضغطًا كبيرًا من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة تفقده السيطرة على الأسواق والطاقة والداخل الأميركي.

من هنا، فإن حركة الطائرات في بن غوريون تروي ما لا تقوله البيانات. إنها تقول إن الهدنة هشة، وإن واشنطن تستعد للأسوأ وهي تتحدث عن الأفضل، وإن إسرائيل تحولت إلى منصة متقدمة في حرب لم تُغلق بعد. قد لا تبدأ الحرب غدًا، وقد تبقى الأمور ضمن "تسخين محدود”، لكن البنية العسكرية التي تُبنى الآن تعني أن ساعة القرار لم تُلغَ، بل أُجّلت.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير