كتب - زياد فرحان المجالي
لم يعد مضيق هرمز ممرًا بحريًا تعبره الناقلات فقط، بل صار المرآة التي تنكشف عليها حدود القوة الأميركية، وصلابة الردع الإيراني، وقلق إسرائيل، وهشاشة المنطقة العربية كلها أمام حرب لا تصنعها لكنها تدفع كلفتها.
فالأخبار المتلاحقة عن إلغاء «مشروع الحرية»، وتمديد إسرائيل حالة الطوارئ، والحديث عن اتفاق أميركي–إيراني قريب، ليست تفاصيل منفصلة في مشهد واحد. إنها ثلاث لقطات متجاورة تكشف جوهر المرحلة: الحرب لم تنتهِ، لكنها لم تعد قادرة على الاستمرار بالطريقة نفسها.
من وجهة نظر مراقب محايد، يبدو أن مضيق هرمز تحوّل من ممر بحري إلى طاولة تفاوض مفتوحة فوق الماء. الولايات المتحدة أرادت أن تقدّم «مشروع الحرية» بوصفه إعلانًا عن قدرتها على كسر السيطرة الإيرانية على المضيق، وإعادة فرض هيبة القوة الأميركية في الخليج. لكن مجرد تعليق المشروع أو التراجع عنه أعطى إيران فرصة واسعة لتقديم الأمر كـ«هزيمة أميركية» جديدة.
هنا لا يهم فقط ما حدث عسكريًا، بل ما قيل عنه سياسيًا. الإيرانيون لم ينتظروا نتائج ميدانية كبرى؛ يكفيهم أن واشنطن لم تمضِ في المشروع حتى يحوّلوا التراجع إلى انتصار رمزي. وهذه هي طبيعة الحرب الحديثة: أحيانًا لا تنتصر لأنك دمّرت خصمك، بل لأنك منعته من تنفيذ ما وعد به.
ما نشرته «واللا» عن الاحتفاء الإيراني بإلغاء «مشروع الحرية»، وما نقلته «معاريف» عن اقتراب واشنطن وطهران من مذكرة تفاهم، وما أشار إليه تقرير «أكسيوس» عن بنود الاتفاق المحتمل، كلها لا تبدو أخبارًا متفرقة، بل أجزاء من مشهد واحد: انتقال الحرب من الضربة العسكرية إلى صفقة مشروطة فوق مياه هرمز.
لكن من الخطأ أيضًا التعامل مع الموقف الإيراني باعتباره نصرًا كاملًا. فالولايات المتحدة لم تغادر الخليج، ولم تفقد أدواتها العسكرية، وما تزال قادرة على الضغط والحصار والعودة إلى العمل العسكري. لذلك، فإن ما جرى أقرب إلى لحظة توازن قلق: إيران أثبتت أن كلفة كسر إرادتها في هرمز مرتفعة، وواشنطن أثبتت أنها ما تزال تمسك بخيار التصعيد متى أرادت.
في الجانب الإسرائيلي، تبدو الصورة أكثر توترًا. تمديد حالة الطوارئ حتى 19 أيار ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل اعتراف بأن إسرائيل لا تتعامل مع الهدنة بوصفها نهاية حرب، بل كاستراحة بين احتمالين: اتفاق يضبط الجبهات، أو انهيار يعيد المنطقة إلى المواجهة. تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي عن الجاهزية في كل الجبهات تكشف أن إسرائيل تراقب الخليج كما تراقب حدودها الشمالية والجنوبية.
وهذا بحد ذاته تطور مهم. ما يجري في مضيق هرمز لم يعد بعيدًا عن تل أبيب. أي احتكاك أميركي–إيراني في الخليج قد يفتح الباب أمام ردود متبادلة تمتد إلى إسرائيل ولبنان وربما العراق واليمن. لذلك تبدو إسرائيل قلقة من اتفاق لا يحقق أهدافها كاملة، كما تبدو قلقة من حرب قد تجرّها إلى كلفة أكبر مما تريد.
أما واشنطن، فهي تقف الآن بين صورتين: صورة القوة التي تهدد إيران بأنها «لن تنجو» إذا لم توقع اتفاقًا، وصورة القوة التي تفاوض لأنها اكتشفت أن الحرب وحدها لا تكفي. وهذا التناقض ليس ضعفًا كاملًا، بل تعبير عن حدود القوة العسكرية حين تواجه خصمًا يستطيع تحويل الجغرافيا إلى سلاح.
المقترح المتداول عن مذكرة تفاهم من 14 بندًا بين واشنطن وطهران يكشف أن الملف النووي لم يعد وحده محور الأزمة. هناك التخصيب، العقوبات، الأموال المجمدة، الحصار البحري، هرمز، وضمانات عدم العودة إلى الحرب. بمعنى آخر، نحن أمام صفقة إقليمية لا مجرد تفاهم نووي.
لكن الواقعية تفرض القول إن أي اتفاق محتمل سيكون هشًا. فواشنطن تريد تجميدًا طويلًا للتخصيب، وإيران تريد الحفاظ على بنيتها النووية ورفع الحصار والعقوبات. إسرائيل تريد اتفاقًا يضمن إضعاف إيران لا إعادة تأهيلها. ودول الخليج تريد ضمانات ألا تتحول أراضيها ومياهها إلى ساحة ردع متبادل بين الآخرين.
أما الدول العربية، وخصوصًا دول الخليج، فهي الطرف الذي يقف في قلب العاصفة من دون أن يكون بالضرورة صاحب قرارها. فإغلاق هرمز أو عسكرة المرور فيه لا يهدد إيران وأميركا وحدهما، بل يهدد أمن الطاقة، وكلفة التأمين، وسلاسل الإمداد، واستقرار الأسواق، وحتى الحياة اليومية للمواطن العربي من الخليج إلى الأردن ومصر ولبنان. لذلك فإن أخطر ما في حرب الممرات أنها تجعل الجغرافيا العربية ساحة دفع، لا ساحة قرار.
لذلك، فإن المنطقة لا تقف أمام نهاية حرب بقدر ما تقف أمام إعادة تعريف للحرب. السلاح لم يخرج من المشهد، لكنه تراجع قليلًا خلف الطاولة. والمفاوضات لم تنتصر بعد، لكنها أصبحت ضرورة لأن الجميع اكتشف أن كلفة الانفجار أكبر من قدرة أي طرف على تحملها وحده.
أن هرمز كشف الحقيقة العارية: القوة الأميركية كبيرة لكنها ليست مطلقة، والردع الإيراني مؤثر لكنه ليس كافيًا لصناعة انتصار كامل، وإسرائيل قوية لكنها قلقة، والمنطقة كلها معلقة بين اتفاق مؤقت وحرب مؤجلة.
في هرمز، لا تُختبر السفن وحدها، بل تُختبر قدرة الإقليم كله على النجاة من حروب الآخرين.
وفي هذه اللحظة، لا يبدو السؤال: من انتصر؟ بل: من استطاع أن يمنع خسارته الكبرى؟ وهذه، في السياسة الواقعية، قد تكون أحيانًا أهم من الانتصار نفسه.
