jo24_banner

تدمر ولا تنتصر، تخيف ولا تطمئن: هل بدأت النهاية؟!

تدمر ولا تنتصر، تخيف ولا تطمئن: هل بدأت النهاية؟!
جو 24 :

خارج النص- كتب حلمي الأسمر 
بلغ الكيان الصهيوني ذروة القوة؛ وارتكب كل ما يمكنه من عدوان وإجرام ووحشية ولم يزل .. 
ولكنه لم يحقق هدفه الأكثر أهمية: توفير الشعور بالأمن لمستوطنيه!
فماذا بعد!؟
...
منذ تأسيسها، قامت العقيدة العسكرية الصهيونية على ركيزة مركزية حاسمة: أن تظل أقوى من محيطها بفارق ساحق، بحيث يصبح مجرد التفكير في تحديها نوعًا من الجنون. لم يكن الهدف الانتصار في المعارك فحسب، بل صناعة يأس استراتيجي دائم لدى الخصم، وزرع قناعة راسخة بأن المقاومة مستحيلة، وأن الكيان يمتلك قدرة مطلقة على الردع والحسم السريع.

على مدار عقود، تشكّل وعي العدو الصهيوني حول أساطير قوية: الجيش الذي لا يُهزم، والاستخبارات التي لا تُخدع، والتفوق التكنولوجي الذي يحول الحرب إلى عملية جراحية خاطفة. لكن السابع من أكتوبر لم يكن ضربة أمنية محدودة أو اختراقًا عابرًا، بل كان زلزالًا استراتيجيًا ونفسيًا ضرب جوهر الفكرة المؤسسة للدولة. فجأة وجدت إسرائيل نفسها أمام حقيقة مرة: أن كل منظوماتها المعقدة يمكن تجاوزها، وأن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لحماية مجتمع بنى أمانه على وهم التفوق المطلق.

من هنا بدأ التحول الأخطر. لم تعد العقيدة تبحث عن انتصار عسكري تقليدي، بل تحولت إلى بحث يائس عن استعادة الشعور بالأمان النفسي الذي انهار داخل البيوت والشوارع. انتقلت إسرائيل بسرعة من سياسة الاحتواء وإدارة الصراع إلى سياسة الاستئصال الشامل: تدمير مدن بأكملها، حصار خانق، تجويع متعمد، وإطلاق أقصى درجات العنف الناري والنفسي. كل ذلك في محاولة لإعادة فرض معادلة الردع التي فقدتها في ساعات.

والمفارقة الكبرى التي ظهرت بوضوح: كلما تصاعدت حدة القوة والتدمير، عاد السؤال الأعمق والأخطر: إذا كانت هذه قمة ما تملكه إسرائيل من قوة تدميرية، فلماذا يظل الحسم النهائي بعيد المنال؟ الجيش قادر على التدمير الهائل، لكنه عاجز عن قتل الفكرة. الطائرات تستطيع نسف الأبنية، لكنها لا تستطيع إعادة بناء الثقة النفسية التي تحطمت. بل إن الإفراط في استخدام القوة أنتج أثرًا عكسيًا داخل المجتمع الصهيوني نفسه، فأعاد إحياء الخوف الوجودي الذي ظنّوا أنهم تجاوزوه منذ عقود.

ما حدث في غزة لم يكن استثناءً، بل حلقة في سلسلة أوسع. في لبنان، اكتشف العدو قبل سنوات أن التفوق الجوي والتكنولوجي لا يكفي لكسر تنظيم عقائدي يجيد الصبر والاستنزاف. ومع إيران، تواجه نموذجًا مختلفًا لكنه أشد دلالة: دولة تواجه أعتى حملة عقوبات واغتيالات وتضييق في العصر الحديث، ومع ذلك تبني نفوذًا إقليميًا وتطور قدراتها دون انهيار.

هذه التجارب جميعها تكشف حقيقة استراتيجية خطيرة: التفوق المادي الساحق لم يعد ضمانًا للنصر النهائي في حروب العصر الحديث. فالإرادة والعقيدة والقدرة على الاحتمال الطويل أصبحت عوامل حاسمة قادرة على إنهاك جيوش حديثة مهما بلغت تسليحها. إن القوة المطلقة، حين تُستخدم بإفراط، قد تحمل بذور عجزها داخلها؛ فهي تدمر لكنها لا تنتصر، وتخيف لكنها لا تطمئن.

لقد اخترق الطوفان ليس الحدود الجغرافية فحسب، بل اخترق العقل الإسرائيلي الجماعي، وأجبره على مواجهة السؤال الذي يخيف كل قوة كبرى في ذروة تفوقها: ماذا لو كانت ذروة القوة هي بالضبط بداية اكتشاف حدودها الحقيقية؟

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير