في الذكرى الـ 78 للنكبة الفلسطينية، ما تزال عشرات العائلات الفلسطينية في شمال سوريا تعيش فصلا جديدا من اللجوء، داخل خيام مهترئة في مخيم "دير بلوط" بريف "عفرين"، بعد رحلة تهجير طويلة بدأت من فلسطين، وامتدت إلى مخيمات سوريا، ثم انتهت إلى مخيمات النزوح في الشمال السوري.

في "دير بلوط"، تبدو النكبة واقعا يوميا لا ذكرى عابرة. فالمخيم يختصر حكاية فلسطينيين وجدوا أنفسهم للمرة الثالثة بلا بيت ولا استقرار؛ من قراهم ومدنهم في فلسطين، إلى مخيمات اللجوء في سوريا، ثم إلى خيام النزوح بعد تهجيرهم من جنوب دمشق.

وخلال السنوات الماضية، تحول مخيم "دير بلوط" إلى أحد أبرز تجمعات فلسطينيي جنوب دمشق المهجرين، خصوصا أبناء مخيم اليرموك، قبل أن يبدأ عدد سكانه بالتراجع بشكل لافت بعد سقوط النظام المخلوع، وعودة قسم واسع من الأهالي إلى مخيمات "اليرموك" و"يلدا" و"ببيلا" و"الحجر الأسود"، رغم الدمار الواسع وغياب الخدمات الأساسية.

وبحسب عضو هيئة شؤون اللاجئين الفلسطينيين محمد إبراهيم عبد الله، لم يبق اليوم في المخيم سوى نحو 79 عائلة فلسطينية، أي ما بين 100 و300 شخص بين مقيمين دائمين ومترددين، بعدما عاد معظم الفلسطينيين المهجرين في الشمال إلى مناطق جنوب دمشق.

وقال عبد الله لـ"قدس برس" إن مخيم "دير بلوط" بات، منذ سقوط النظام، على هامش الاهتمام الإعلامي والإغاثي، مشيرا إلى أن من تبقى فيه عاجزون عن العودة إلى مخيم اليرموك ومحيطه، إما بسبب الدمار الكامل لمنازلهم، أو لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف المعيشة في دمشق، التي تقارب ضعف تكاليفها في الشمال السوري.

ويقول أبو خالد، وهو فلسطيني مهجر من مخيم اليرموك، لـ"قدس برس": "كنا نظن أن وجودنا هنا مؤقت لأشهر فقط، كما كان يعتقد آباؤنا وأجدادنا تماما عندما خرجوا مكرهين من فلسطين، لكن السنوات مرت ونحن داخل الخيام. وبعد سقوط النظام عاد كثير من الناس إلى جنوب دمشق، أما نحن فلم نستطع العودة لأن بيتنا مدمر بالكامل".

ويضيف: "حتى من عادوا، عادوا إلى بيوت مهدمة أو بلا كهرباء ومياه. الناس عادت لأنها تعبت من حياة الخيام أكثر من أي شيء آخر".

وتأسس مخيم دير بلوط عام 2018 لاستقبال مهجري جنوب دمشق، قبل أن يتحول مع الوقت إلى تجمع فلسطيني صغير يعيش ظروفا إنسانية قاسية، وسط ضعف الاستجابة الإغاثية، وغياب فرص العمل، وتراجع الخدمات الأساسية.

أم محمد، وهي سيدة فلسطينية تقيم في المخيم منذ سنوات، قالت لـ"قدس برس": "أصعب شيء أن يشعر الإنسان أنه منسي. في الشتاء تدخل المياه إلى الخيمة، وفي الصيف نعيش تحت نار الشمس، ولا يوجد أي شعور بالأمان أو الاستقرار".

وتتابع: "معظم جيراننا عادوا إلى اليرموك رغم الدمار، فقط لأنهم اشتاقوا لبيوتهم وأزقتهم. حتى لو كان البيت مهدما يبقى أهون من حياة الخيمة".

وكانت تقديرات حقوقية قبل سقوط النظام تشير إلى وجود نحو 1488 عائلة فلسطينية مهجرة في مناطق شمال غربي سوريا، موزعة بين مخيمي دير بلوط والمحمدية ومناطق أخرى، ضمن ظروف معيشية قاسية ونقص حاد في الخدمات.

غير أن هذه الأعداد تراجعت بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، بعد عودة قسم واسع من الفلسطينيين إلى مخيم اليرموك ومناطق جنوب دمشق، فيما بقيت عشرات العائلات فقط في مخيم دير بلوط، بسبب الدمار الكامل لمنازلها أو عجزها المادي عن العودة والاستقرار.

لكن هذه العودة، بحسب ناشطين فلسطينيين، لا تعني انتهاء المأساة، إذ ما تزال عائلات كثيرة عاجزة عن استعادة حياتها، بين بيوت مهدمة، وفقر واسع، وخدمات غائبة، وواقع معيشي يثقل كاهل العائدين والنازحين معا.

ويقول الناشط الفلسطيني محمد عبد الله، المهجر إلى الشمال السوري، إن "كثيرا من الفلسطينيين عادوا فقط لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل حياة النزوح والخيام، وليس لأن الظروف أصبحت جيدة".

ويضيف: "ما يزال هناك فلسطينيون يعيشون في الخيام بعد أكثر من عقد على تهجيرهم. هذه ليست حياة، بل انتظار طويل بلا أفق".

وفي الذكرى 78 للنكبة الفلسطينية، يبدو مخيم دير بلوط شاهدا على نكبة مركبة ومفتوحة، يعيشها فلسطينيون عالقون بين خيام الشمال وركام مخيماتهم في جنوب دمشق، في انتظار عودة لم تكتمل، وحياة لم تستقر منذ أكثر من سبعة عقود.