كتب د. معن علي المقابلة *
يبدو أن مشروع "السردية الأردنية” الذي أطلقه ولي العهد يفتح باباً واسعاً لسؤال يتجاوز مجرد استحضار الماضي أو إعادة تدوير الحكايات الوطنية التقليدية. فالدول لا تُبنى فقط على الذاكرة، بل على قدرتها على تخيّل المستقبل أيضاً. ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن يتمحور حول "كيف بدأت الدولة؟” فقط، بل حول "إلى أين تريد أن تصل؟”.
إن السردية التي يحتاجها الأردن اليوم ليست مجرد أرشيف للبطولات والبدايات وتفاصيل تأسيس الدولة، رغم أهمية ذلك في تثبيت الهوية الوطنية وصيانة الذاكرة الجماعية. فالدول التي تعيش داخل الماضي فقط تتحول تدريجياً إلى متاحف سياسية، بينما العالم يتحرك بسرعة تتجاوز كل التصورات التقليدية. السردية الحديثة يجب أن تجيب عن أسئلة أكثر إلحاحاً: ماذا نريد أن نكون؟ كيف نرى أنفسنا بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟ وكيف نريد للعالم أن ينظر إلينا؟
في زمن أصبحت فيه الدول تتنافس على الصورة والابتكار والتأثير والمعرفة، لم يعد كافياً أن نستحضر تاريخ التأسيس أو نكرر قصص النجاة والبقاء. العالم اليوم لا يقيس مكانة الدول بعدد صفحات تاريخها فقط، بل بقدرتها على إنتاج المستقبل. وهنا تكمن خطورة أن تُختزل "السردية الأردنية” في قراءة أحادية تنظر إلى الدولة من "ثقب باب التاريخ” وحده.
إن الأمم الحية لا تبني سردياتها على الحنين فقط، بل على الطموح أيضاً. فالتاريخ يمنح الشرعية، لكن المستقبل يمنح المعنى. ولهذا فإن أي مشروع للسردية الوطنية إذا لم يتحول إلى رؤية تتحدث عن الإنسان الأردني القادم، وعن الاقتصاد والمعرفة والتعليم والتكنولوجيا والمكانة الإقليمية والدولية، فإنه سيبقى مجرد جدل ثقافي يدور حول نفسه، وإنفاقٍ للوقت والمال على إنتاج خطاب يعيد ما يعرفه الناس مسبقاً، دون أن يمنحهم تصوراً واضحاً لما يمكن أن يصبحوا عليه.
ثمة مقولة منسوبة لأينشتاين تقول عندما سُئل: لماذا تهتم بالمستقبل كثيراً؟ فأجاب: "لأني ذاهب إليه”. وهذه العبارة تختصر جوهر القضية. فالمستقبل ليس ترفاً فكرياً، بل هو المكان الذي سنعيش فيه جميعاً. ولذلك فإن السردية الوطنية الحقيقية يجب أن تكون مشروعاً لصناعة الغد، لا مجرد إعادة رواية الأمس.
المشكلة ليست في العودة إلى التاريخ، بل في التوقف عنده. فالدول التي تنشغل فقط بتفسير بداياتها تخاطر بفقدان قدرتها على كتابة فصولها القادمة. وأعتقد أن ولي العهد، بحكم جيله وسنّه الذي ينتمي للمستقبل، أراد للسردية الأردنية أن تكون نافذة على المستقبل لا مجرد استعادة للماضي، وأن يتحول التاريخ فيها إلى محفّزٍ على التقدّم لا إلى محطةٍ للتوقف عندها. فالأمم لا تنهض بما تتذكره فقط، بل بما تملك من قدرة على تخيّل الغد وصناعته. والتاريخ، مهما كان عظيماً، يفقد قيمته حين يصبح غاية بحد ذاته، بينما تكمن قيمته الحقيقية في أن يكون وقوداً يدفع الدولة نحو مكانةٍ أوسع ودورٍ أكبر في عالم لا ينتظر المتأخرين.
* maen1964@gmail.com
