شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل أمس الأحد مسيرة حاشدة شارك فيها آلاف المتظاهرين إحياء للذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، وتنديداً باستمرار الإبادة الجماعية بحق المدنيين في قطاع غزة والضفة الغربية، وما اعتبروه تواطؤاً أوروبياً وبلجيكياً مع ذلك.

وانطلقت التظاهرة من محيط محطة بروكسل الشمالية باتجاه المؤسسات الأوروبية والمحطة المركزية، وسط حضور واسع للجاليات العربية والفلسطينية، إلى جانب نقابات ومنظمات حقوقية وطلابية وناشطين بلجيكيين وأوروبيين. ورفع المشاركون الأعلام الفلسطينية ولافتات تطالب بوقف الحرب وإنهاء الحصار ومحاسبة قادة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولين عن الجرائم بحق الأطفال والمدنيين.

وردد المتظاهرون هتافات منددة باستمرار القصف والتدمير الإسرائيلي في قطاع غزة بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، مؤكدين أن ما يجري ليس مجرد أزمة إنسانية، بل عمليات تطهير عرقي متواصلة تهدد حياة ملايين الفلسطينيين وتدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار.

وتزامنت التظاهرة مع ذكرى النكبة الفلسطينية عام 1948 التي شهدت تهجير مئات آلاف الفلسطينيين قسراً، حيث أكد المشاركون أن النكبة لم تنته، بل تتواصل اليوم بأشكال مختلفة من الحرب والتهجير والحصار والاحتلال الإسرائيلي. وطالبوا بفرض عقوبات على الحكومة الإسرائيلية ومحاسبة قادتها.

وقال النائب في برلمان بروكسل جمال أكزبان في تصريح لـ "قدس برس" إن المشاركين خرجوا رفضاً لاستمرار الحرب على غزة وما وصفه بالإبادة الجماعية المستمرة بحق الفلسطينيين. وأضاف أن الفلسطينيين ما زالوا منذ عقود يعيشون تحت الاستعمار والاحتلال والنهب، معتبراً أن ما يجري اليوم في غزة يعكس فشلاً واضحاً للمجتمع الدولي في وقف المجازر والانتهاكات.

وأشار أكزبان إلى أن القانون الدولي بات غائباً، وأن دور الأمم المتحدة وبعض الدول الأوروبية أصبح صامتاً ومتواطئاً تجاه ما يحدث في غزة، مؤكداً أن استمرار استهداف المدنيين والصحفيين والطواقم الإنسانية أمر غير مقبول إطلاقاً. وأوضح أن الصحفيين الفلسطينيين يواصلون عملهم رغم المخاطر والاستهداف، داعياً إلى تحرك حاسم وفوري لوقف الحرب وفرض عقوبات على إسرائيل ووقف تصدير السلاح والمعدات العسكرية، إضافة إلى حظر أشكال التعاون مع الحكومة الإسرائيلية.

واعتبر أن الحديث عن وقف لإطلاق النار لا ينسجم مع استمرار سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في غزة، مشدداً على أن أي تحرك جدي يجب أن يترافق مع إجراءات سياسية واقتصادية ملموسة ضد الحكومة الإسرائيلية.

وشهدت المسيرة مشاركة لافتة من جاليات عربية وفلسطينية وشخصيات أكاديمية ونشطاء أوروبيين، فيما حمل متظاهرون صور شهداء الحرب في غزة ولافتات كتب عليها أوقفوا الإبادة الجماعية، العدالة لفلسطين، ولا للتواطؤ الأوروبي.

وطالب المشاركون الاتحاد الأوروبي والحكومة البلجيكية باتخاذ خطوات ملموسة تجاه الحرب في غزة، من بينها تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ووقف تصدير السلاح، وفرض عقوبات على المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، إضافة إلى حظر الاستثمارات والتجارة المرتبطة بالاستيطان الإسرائيلي.

وقال الناشط البلجيكي ميركو فان ديبو إنه شارك في التظاهرة برفقة ابنه لإظهار الحد الأدنى من التضامن مع الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن الفلسطينيين عاشوا أهوالاً متواصلة ليس فقط خلال العامين الماضيين بل منذ بداية الاستعمار الصهيوني. وأضاف في تصريح لـ "قدس برس" أن هناك شعوراً متزايداً بالاشمئزاز والغضب إزاء ما يحدث في غزة، معرباً عن أمله في أن يتحرك العالم أخيراً لوقف هذه المأساة.

وانتقد فان ديبو موقف الاتحاد الأوروبي، معتبراً أنه يفتقر إلى الاتساق مع مبادئه المتعلقة بحقوق الإنسان، موضحاً أن الدول الأوروبية تتحدث كثيراً عن حقوق الإنسان لكنها تلتزم الصمت عندما يتعلق الأمر بالانتهاكات الجسيمة بحق الفلسطينيين.

ودعا المتظاهرون إلى الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق تقرير المصير وحق العودة، وإنهاء ما وصفوه بحالة الإفلات من العقاب التي سمحت باستمرار الحرب والانتهاكات بحق الفلسطينيين.

وأكد عدد من المشاركين أن استمرار التحركات الشعبية في العواصم الأوروبية يعكس تنامي الضغط الشعبي على الحكومات الأوروبية لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه الاحتلال الإسرائيلي، في ظل تصاعد الانتقادات للسياسات الأوروبية المرتبطة بالحرب في غزة.

ومن وسط شوارع بروكسل الرئيسية، بدا أن ذكرى النكبة هذا العام امتزجت بصور الدمار القادمة من غزة، في مشهد أعاد إلى الواجهة بالنسبة للمشاركين قضية اللجوء والتهجير الفلسطيني المستمرة منذ أكثر من سبعة عقود.

ومنذ اندلاع عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تشهد العواصم الأوروبية موجة حراك شعبي واسع دعماً للشعب الفلسطيني، حيث تتواصل التظاهرات بمشاركة متضامنين أوروبيين إلى جانب جاليات عربية ومسلمة، في موقف يعكس تنامي الوعي الدولي تجاه القضية الفلسطينية.