كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني -
أعادت منظمة الصحة العالمية، بإعلانها "حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً" بسبب تفشي فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا، تذكير العالم بأن الأوبئة العابرة للحدود Pandemics ما تزال تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الأمن الصحي العالمي. فبعد سنوات من جائحة كورونا وما خلّفته من آثار صحية واقتصادية ونفسية عميقة، يأتي هذا الإعلان ليؤكد أن العالم لا يملك رفاهية التراخي أمام الأمراض الوبائية سريعة الانتشار، خاصة تلك التي تتمتع بمعدلات وفيات مرتفعة مثل فيروس إيبولا.
ما هو فيروس إيبولا؟
يُعد فيروس إيبولا(Ebola) من أخطر الفيروسات النزفية المعروفة، وينتمي إلى عائلة الفيروسات الخيطية. ظهر للمرة الأولى عام 1976 بالقرب من نهر إيبولا في ما يُعرف اليوم بجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومنها اكتسب اسمه. وينتقل الفيروس إلى الإنسان من الحيوانات البرية (مثل خفافيش الفاكهة والقردة)، ثم ينتقل من إنسان إلى آخر عبر الاتصال المباشر بالدم، أو إفرازات الجسم، أو السوائل الحيوية للمصابين، وكذلك عبر ملامسة الأسطح الملوثة بهذه السوائل.
وتشمل أعراضه الحمى الشديدة، والإرهاق، وآلام العضلات والمفاصل، وصداع، والتهاب في الحلق، يتلو ذلك قيء، وإسهال، وظهور طفح جلدي، واختلال في وظائف الكلى والكبد، وهزال شديد، ثم تتطور في بعض الحالات إلى نزيف داخلي وخارجي وفشل في أعضاء الجسم، فيما تتراوح معدلات الوفاة في بعض السلالات بين 25% و90% بحسب سرعة الاكتشاف وجودة الرعاية الصحية المتاحة.
وتكمن خطورة إيبولا في أنه لا يهدد الأفراد فقط، بل يهدد قدرة الأنظمة الصحية الهشة على الصمود، إذ يؤدي تفشيه غالباً إلى انهيار الخدمات الطبية الأساسية، وانتشار الذعر، وتعطّل النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
ماذا يعني إعلان "حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً"؟
بحسب تعريف منظمة الصحة العالمية، فإن هذا الإعلان يُستخدم عندما ترى المنظمة أن هناك "حدثاً استثنائياً" يشكل تهديداً صحياً عالمياً وقد يتجاوز حدود دولة واحدة، بما يستدعي استجابة دولية منسقة وسريعة.
ولا يعني الإعلان بالضرورة أن العالم أمام جائحة جديدة، لكنه يمثل أعلى درجات الإنذار الصحي الدولي، ورسالة واضحة بأن الوضع قد يخرج عن السيطرة إذا لم يتم احتواؤه مبكراً.
ويمنح الإعلان المنظمة صلاحيات أوسع لتنسيق الجهود الدولية، بما في ذلك إصدار توصيات مؤقتة تتعلق بالسفر والتجارة، وتعزيز تبادل المعلومات بين الدول، ورفع جاهزية أنظمة المراقبة والفحص والعزل، إضافة إلى دفع الحكومات والمؤسسات الدولية لتعبئة الموارد الطبية والمالية بصورة عاجلة. وكذلك حث الدول على الإبلاغ السريع والشفاف عن أي حالات مشتبه بها لتعزيز المراقبة الصحية.
وقد استخدمت منظمة الصحة العالمية هذا التصنيف سابقاً خلال أزمات صحية كبرى مثل جائحة كورونا وجدري القرود، ما يعكس خطورة اللجوء إلى هذا المستوى من التحذير.
لماذا يثير تفشي إيبولا القلق العالمي؟
القلق لا يرتبط فقط بخطورة الفيروس نفسه، بل بطبيعة العالم المعاصر القائم على الحركة السريعة والتنقل الدولي المكثف. ففي عالم مترابط، يمكن لأي بؤرة وبائية محدودة جغرافياً أن تتحول خلال أسابيع إلى تهديد عابر للقارات.
كما أن انتشار الفيروس في مناطق تعاني هشاشة سياسية وأمنية وضعفاً في البنية الصحية، كما هو الحال في بعض مناطق الكونغو، يزيد من صعوبة عمليات الاحتواء والتتبع والعزل.
ويخشى خبراء الصحة من أن يؤدي أي تأخير في الاستجابة إلى انتقال العدوى إلى دول أخرى عبر السفر والتنقل البشري، خصوصاً في ظل التداخل الإقليمي الكبير داخل القارة الأفريقية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للأردن؟
رغم البعد الجغرافي النسبي بين الأردن ومناطق التفشي الحالية، فإن منطق الأمن الصحي الحديث يقوم على أن أي وباء عالمي يمثل تهديداً محتملاً لكل الدول، خاصة تلك التي تُعد مراكز عبور وسفر واستقبال للزوار والعمالة واللاجئين.
ومن هنا، فإن التعامل مع إعلان منظمة الصحة العالمية يجب ألا يكون بوصفه خبراً بعيداً، بل باعتباره إنذاراً مبكراً يستوجب رفع الجاهزية الوقائية دون إثارة الهلع.
ما الاستعدادات المطلوبة من الأردن؟
أولاً، تعزيز الرقابة الصحية في المطارات والمعابر الحدودية، خاصة للقادمين من الدول التي تشهد تفشياً أو من الدول المجاورة لها، مع تحديث بروتوكولات الفحص والإبلاغ السريع.
ثانياً، رفع جاهزية المستشفيات ومراكز العزل والتأكد من توفر معدات الحماية الشخصية(PPE) للكوادر الطبية، لأن العاملين الصحيين هم خط الدفاع الأول في مواجهة أي تفشٍ وبائي.
ثالثاً، تدريب الكوادر الطبية على آليات التعامل مع الأمراض النزفية المعدية، وتحديث خطط الاستجابة الوطنية للأوبئة بما ينسجم مع المعايير الدولية الحديثة.
رابعاً، تعزيز منظومة الترصد الوبائي والمختبرات المرجعية القادرة على الكشف السريع عن الحالات المشتبه بها، لأن سرعة التشخيص تمثل عاملاً حاسماً في منع انتشار العدوى. ويشمل ذلك توفير المواد المخبرية والمحاليل اللازمة مثل فحوصات PCR الخاصة بفيروس إيبولا في المختبرات المركزية التابعة لوزارة الصحة، لضمان التشخيص السريع والدقيق في غضون ساعات.
خامساً، تطوير خطاب إعلامي صحي مسؤول يوازن بين التوعية ومنع الذعر، فالتجارب العالمية أثبتت أن الشائعات والمعلومات المضللة قد تكون أحياناً أخطر من المرض نفسه.
الأمن الصحي لم يعد ترفاً
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الأمن الصحي لم يعد قضية طبية فقط، بل أصبح جزءاً من الأمن الوطني والاقتصادي والاجتماعي للدول. فالدول التي تمتلك أنظمة رعاية صحية قوية وآليات استجابة مبكرة تكون أكثر قدرة على حماية مواطنيها وتقليل الخسائر عند وقوع الأزمات.
ومن هنا، فإن إعلان الطوارئ الدولية بشأن إيبولا يجب أن يُقرأ عربياً وأردنياً باعتباره فرصة لإعادة تقييم الجاهزية الصحية الوطنية، وتعزيز الاستثمار في الصحة العامة والوقاية، بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة بعد وقوع الأزمات.
ففي عالم الأوبئة، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من جيوش واقتصادات ومعارف، بل أيضاً بقدرتها على اكتشاف الخطر الصحي مبكراً واحتوائه قبل أن يتحول إلى كارثة.
