كتب-د. معن علي المقابلة
حين توفي شيخ الإسلام أحمد بن تيمية سنة 728هـ/1328م داخل سجن القلعة في دمشق، خرجت له جنازة تُعد من أكبر الجنائز في التاريخ الإسلامي. يذكر ابن كثير، نقلًا عن البرزالي، أن عدد المشيعين تراوح بين ستين ألفًا ومائتي ألف رجل، إضافة إلى خمسة عشر ألف امرأة. امتلأت دمشق بالناس، وأُغلقت الأسواق، وتعالت أصوات البكاء والدعاء، حتى بدا المشهد وكأنه إعلان جماعي عن محبة الناس للرجل ومكانته في نفوسهم.
لكن خلف هذا المشهد المهيب تختبئ مفارقة قاسية: كيف استطاع هذا الجمع الهائل أن يشيّع ابن تيمية بعد موته، بينما عجز عن الدفاع عنه وهو حيّ في سجنه؟
لم يكن ابن تيمية سجين جريمة، بل سجين موقف. فقد اصطدم بالسلطة المملوكية وانتقد فسادها وتقصيرها في الدفاع عن الأمة أمام الأخطار الخارجية، من الغزو المغولي إلى تهديد فرقة الحشاشين، ودفع ثمن مواقفه سجنًا وعزلة حتى مات خلف القضبان. ومع ذلك، بقي الناس متفرجين، لا يملكون إلا الحزن والدعاء وانتظار لحظة الجنازة للتعبير عن غضبهم المؤجل.
هذه الحادثة ليست استثناءً في تاريخنا، بل انعكاس لحالة طويلة من الاستبداد السياسي والإقصاء الاجتماعي، حيث جرى تحييد الأمة عن الشأن العام وتحويلها إلى جمهور منزوع الإرادة. فمنذ أن تحولت الدولة إلى حكم يقوم على احتكار القوة العسكرية وإبعاد الناس عن القرار السياسي، تراجع دور المجتمع تدريجيًا، حتى أصبح الحاكم وحده يقرر مصير البلاد دون قدرة حقيقية من الأمة على الاعتراض أو المحاسبة.
ولعل واحدة من أكثر اللحظات دلالة على هذا الانفصال بين الأمة والسلطة ما حدث سنة 626هـ/1229م، حين قرر الملك الكامل الأيوبي تسليم القدس للإمبراطور فريدريك الثاني ضمن اتفاق سياسي، دون حرب حقيقية أو مقاومة تذكر. المدينة التي سالت من أجلها دماء المسلمين في عهد صلاح الدين، سلّمت بقرار سياسي منفرد، في مشهد يكشف كيف تحولت قضايا الأمة الكبرى إلى ملفات يتصرف بها الحكام وحدهم.
الأشد إيلامًا لم يكن قرار التسليم ذاته فقط، بل رد فعل المجتمع عليه. خرج أهل القدس من مدينتهم في حالة من الحزن والانكسار دون مقاومة فعلية قادرة على منع القرار، بينما اكتفى كثير من العلماء بالخطب والبكاء والتنديد. يذكر المؤرخون أن الواعظ الشهير سبط ابن الجوزي خطب في الجامع الأموي بدمشق خطبة مؤثرة أبكت الناس وأثارت مشاعرهم، لكن الأمر توقف عند حدود العاطفة والخطابة، دون أن يتحول إلى فعل سياسي أو تحريض شعبي منظم يواجه قرار السلطة أو يفرض التراجع عنه.
وهنا تتكرر المعضلة ذاتها: أمة تبكي كثيرًا، لكنها لا تفعل. جماهير تهتز للخطب والمواعظ والمآسي، لكنها عاجزة عن تحويل غضبها إلى قوة سياسية مؤثرة. والسبب لا يعود إلى ضعف المشاعر، بل إلى قرون طويلة من صناعة العجز السياسي، حيث جرى ترويض الناس على الطاعة والانكفاء، وتجريدهم من أي دور حقيقي في إدارة شؤونهم أو محاسبة حكامهم.
إن أخطر ما يفعله الاستبداد ليس فقط سجن العلماء أو التفريط بالأوطان، بل تحويل الشعوب نفسها إلى كيانات خائفة ومهمشة، لا ترى في السياسة شأنًا يخصها، ولا تعتبر الدفاع عن العدالة والحرية مسؤولية جماعية. ولذلك رأينا عشرات الآلاف يشيّعون ابن تيمية بعد موته، لكنهم لم يستطيعوا إنقاذه في حياته، كما رأينا مدينة بحجم القدس تُسلَّم سياسيًا بينما اكتفى الناس بالبكاء والخطب.
في المقابل، كان النموذج الذي أسسه النبي محمد ﷺ ثم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قائمًا على فكرة مختلفة تمامًا: الإنسان الحر المسؤول، والأمة المشاركة، والحاكم الذي يُحاسَب لا الذي يُقدَّس. ولم تكن مقولة عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا” مجرد حكمة أخلاقية، بل قاعدة سياسية تؤسس لعلاقة مختلفة بين السلطة والمجتمع.
إن معركتنا الحقيقية ليست فقط مع حكام مستبدين، بل مع إرث طويل من الإقصاء السياسي جعل الأمة تتقن الحزن أكثر مما تتقن الفعل، وتجيد تشييع الضحايا أكثر مما تجيد الدفاع عنهم وهم أحياء.
