لا تزال أزمة القوى البشرية في "الجيش" الإسرائيلي حاضرة في قلب الحراك والنقاش الإسرائيليين؛ ورغم أنها ومنذ بدء تداعيات حرب "سيوف حديدية" بالظهور، لم تُغادر مربع الاهتمام والقلق الشديدين، إلا أنّها وصلت، في الأيام الأخيرة، إلى ما وصفه ضباط كبار معنيون بـ "نقطة الغليان"، وسط تزايد الحديث عن "حاجة أمنية كبيرة وملحّة" و"نقص حاد جداً" وتزايد أعباء ومهام.
في الأسبوعين الماضيين، رفع رئيس هيئة الأركان في "الجيش" الإسرائيلي، مجدداً، "الأعلام الحمر"، محذراً من أنه من دون إلغاء قانون تقصير الخدمة الإلزامية وتسوية قضية تجنيد الحريديم، لن يتمكّن الجيش من تلبية مهامه طويلة المدى، فيما أكد مسؤول عسكري رفيع، هذا الأسبوع، أن "الجيش يمر بمنعطف زمني حرج للغاية، مع استنزاف غير مسبوق للوحدات النظامية والاحتياطية بسبب استمرار العمليات".
وذهب مسؤول أمني آخر أبعد من ذلك، صارخاً في وجه جداول الأرقام: "الاستنزاف أكبر بأضعاف مما عرفناه"، مع احتمال حقيقي لحدوث انهيار (مفردة الانهيار ذكرها زمير أكثر من مرة).
واقع الأزمة
بحسب بعض التقارير، التحذيرات لم تعد صرخة في وادٍ، بل تنبثق من واقع عددي قاس. فحجم الأزمة لم يعد يقاس بآلاف بل بعشرات الآلاف: نقص إجمالي يبلغ 12 ألف جندي، بينهم 7500 مقاتل في الوحدات القتالية.
الأخطر هو تفضيل العبء على جنود الخدمة الاحتياطية (أي ما بعد التسريح من الخدمة النظامية - الدائمة أو الإلزامية)، حيث قفزت أيام الخدمة من 25 يوماً سنوياً في الماضي إلى ما بين 80 و100 يوم حالياً، بل إن معطيات أُخرى تتحدث عن قفزة بمقدار عشرة أضعاف.
وبالتوازي، انهار "المثلث المقدس" الذي يجمع الحاجة العملياتية والخدمتين النظامية والاحتياطية: فالمقاتل النظامي لم يعد ينزل إلى تدريبات، بل يمارس الخط العملياتي فقط دون توقف، فيما جنود الاحتياط يُستنزفون إلى حد التأثير على تماسك الكتائب القتالية.
وأمام هذا الواقع، يدفع "الجيش" بثلاثة قوانين عالقة: إعادة الخدمة الإلزامية (الإجبارية) إلى سابق عهدها، أي 36 شهراً للرجال (بعد أن كانت ستنخفض قريباً إلى 30 شهراً فقط، وقبل خفضت إلى 32 شهراً)، وقانون خدمة احتياطية جديد، وقانون تجنيد جديد يشمل "الحريديم". لكن المستوى السياسي، بحسب الانطباع السائد، ربط بينها لأسباب انتخابية بحتة، ما أدى إلى تجميدها جميعاً.
وفي قلب الأزمة تقف قضية "الحريديم" بكل تعقيداتها: فرغم ارتفاع أعداد المجندين منهم تدريجياً من 1700 سنوياً (2019-2022) إلى 3000 تقديرياً في 2025، لا يتجاوز عدد المقاتلين الحقيقيين منهم 250 في كل دورة فقط.
وبالمقابل، هناك 38 ألف متهرّب من الخدمة، 80% منهم من "الحريديم"، إضافة إلى 50 ألف مرشح للتجنيد لم يحضروا بعد إلى مكاتب التجنيد.
واللافت أن "الجيش" يؤكد أنه "لا يوجد اليوم جندي حريدي لا يستطيع الخدمة" (بمعنى وجود وحدات عسكرية تُراعي متطلبات الحياة الدينية في الجيش مثل لواء الحشمونائيم الحريدي)، وأن العائق الوحيد هو سياسي بامتياز، تتوارى خلفه مرجعيات دينية طالبت نواب حزب "ديغل هتوراه" بدعم حلّ "الكنيست".
تأثيرات على الجبهات وداخل "الجيش"
لم تبق هذه الأزمة محصورة داخل الثكنات، بل امتدت إلى الجبهات المشتعلة. فالحرب المتواصلة على "7 جبهات" – البرية: غزة، لبنان، سوريا، الضفة الغربية، وغيرها (السيبرانية)، "حوّلت كل مؤشرات الجاهزية إلى أرقام حمراء".
في جنوب لبنان، ورغم محاولات إظهار وقف لإطلاق النار، لا يزال القتال مستمراً. وهذا إنما يعكس حقيقة مرّة: عدم التدريب المستمر بسبب الانشغال بالعمليات فقط يؤثر مباشرة على الكفاءة القتالية، ويزيد من الخسائر.
أما داخل "الجيش"، فتتجلى التأثيرات في انهيار منظومة التدريب بالكامل، واستحالة منح الجنود إجازات اعتيادية منذ نحو عامين، وحرمانهم من أبسط حقوق الترفيه، ناهيك عن الإنهاك المتراكم الذي يبدأ بالظهور في نسب الإشغال التي انخفضت 6% رغم ارتفاع الاحتياجات العملياتية بـ1500 وظيفة إضافية.
المآخذ على الحكومة الإسرائيلية
وفقاً لعدد من التقارير والتعليقات، فإن خلفية الأزمة هي سياسية – ائتلافية، فإذا كانت الأزمة بهذا الحجم، فإن المآخذ على حكومة الائتلاف اليميني برئاسة بنيامين نتنياهو تتلخص في إدارة فاشلة لحرب لا طائل منها، كما في التعامل مع القوى البشرية.
فبدلاً من الفصل بين القوانين الثلاثة (تجنيد الحريديم، تمديد الخدمتين الإلزامية والاحتياطية)، أصرّت الحكومة على ربطها سياسياً (تسعى الحكومة إلى تحميل عبء سد الفجوة عبر الخدمتين الإلزامية والاحتياطية من دون المساس بالخزان الحريدي)، ما أدى إلى تعطيل الجميع.
ولم تكن الفجوة بين احتياجات "الجيش" وتعامل الحكومة بأشد وضوحاً منها اليوم، فبينما يصرخ "الجيش" طالباً 36 شهراً خدمة وقانون تجنيد فعالاً، تقدم الحكومة وعوداً مؤجلة وحلولاً مسكنة لا تغني عن الحاجة الفعلية الملحّة لآلاف المقاتلين الجدد، في وقت تتسع فيه الجبهات وتتوالى فيه الإصابات يوماً بعد يوم.
مشكلة استراتيجية من الدرجة الأولى
معلّقون في الشأن العسكري أضافوا إلى صورة الأزمة أبعاداً زمنية واستراتيجية لم تكن واضحة أمام الجمهور بهذا الحسم من قبل.
فحين يتحدث "الجيش" الإسرائيلي اليوم عن "تحذير استراتيجي" حقيقي، فإنه لا يضرب في الهواء، بل يحدد التاريخ: الأول من كانون الثاني/يناير 2027. في ذلك اليوم، سيُنهي آلاف المقاتلين خدمتهم العسكرية دفعة واحدة، ليس لأنهم يرغبون في ذلك، بل لأن الحكومة لم تقر تمديد مدة الخدمة إلى 36 شهراً.
وبين ذلك التاريخ وبين موعد دورة التجنيد المقبلة في آذار/مارس 2027، سيكون هناك فراغ ونقص غير مسبوق في قوام القوة البشرية لـ"الجيش"، في وقت تواجه فيه "إسرائيل" تحديات متعددة ومتزامنة: القتال في غزة، والضفة الغربية، والجبهة الشمالية مع حزب الله، إضافة إلى حالة التأهب المرتبطة بإيران.
وإذا بقي كل شيء على حاله، يحذر معلّقون، فإن الإسرائيليين قد يستيقظون ذات صباح في عام 2027 أمام نقص يبلغ 14 ألف مقاتل (النقص الآن هو 7 آلاف مقاتل)، وبرأي معلّقين بأن مَن أوصل "إسرائيل" إلى هذا الوضع، هو الحكومة.
يمرّ "الجيش" الإسرائيلي اليوم بمراحل انهيار في القوى البشرية، والجمهور غير واعٍ بما يكفي، ووسائل الإعلام لا تمنح المشكلة تغطيتها الكافية، رغم أنها مشكلة استراتيجية من الدرجة الأولى. وعندما يُدار "جيش" بنقص يصل إلى نحو 7 آلاف مقاتل ومثلهم من جنود الدعم والإدارة، ولا تستطيع كتائب الاحتياط تحمل مئات الأيام من الخدمة في فترة قصيرة، فإن الجنود ينتقلون من مهمة إلى أخرى من دون تدريب كاف.
