رحلة وعي وتأمل في العلم والحياة
سبحان من سخر محبة الناس وثقتهم فيك
إلى تلك الروح الطاهرة إلى الدكتور ضياء العوضي البروفيسور العظيم في أخلاقه قبل علمه
فما سمعناه عنك في الآونة الأخيرة يجعلنا نقف طويلا أمام أنفسنا
نراجع ما كنا نظنه يقينا وما اعتدناه دون سؤال أو تفكر
برغم أننا كنا نردد دائما كلمات أجدادنا بأن الحياة لم تعد كما كانت
وكأننا أخذنا غفوة من حلم طويل وما زلنا نبحث عن ملامحه في واقع تغير كثيرا
لكن الحقيقة اليوم أقسى حضورا وأشد وضوحا
واقع يضغط على الإنسان من كل جهة
حتى بات الجسد يئن بصمت ويشتكي من ألم لا يرى لكنه يحس
في زمن كثرت فيه الأصوات وقلت فيه البصائر
أصبح الإنسان يعيش بين تيارين متضادين
تيار العادة التي ورثها دون أن يسأل عنها
وتيار الحقيقة التي تطرق قلبه كلما ضعف الجسد أو اشتد الألم
فلم يعد السؤال ترفا فكريا بل أصبح ضرورة حياة
وقد خاض الدكتور تجربة طويلة امتدت لسنوات من البحث والتأمل والعمل على الذات
لم تكن مجرد رحلة علم عابر
بل كانت مسارا شاقا في فهم الإنسان من الداخل والخارج
وفي محاولة قراءة الجسد لا كآلة صامتة
بل كأمانة تحمل أثر كل ما يدخلها من طعام وشراب ونمط حياة
ساعيا إلى الوصول إلى رؤية أوسع من حدود المألوف
ومحاولا الربط بين ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية من دعوة إلى التفكر والتدبر في خلق الله
وبين واقع الإنسان المعاصر الذي تغير فيه الغذاء وتبدلت فيه العادات وتسارعت فيه أنماط الحياة بشكل غير مسبوق
وفي هذا السياق يطرح رؤيته التي تدعو إلى إعادة النظر بعمق في كثير من العادات الغذائية التي استقرت في حياة الناس
ليس بدافع الهدم أو المعارضة
بل بدافع الإيقاظ
إيقاظ العقل من ألفة قد تخفي خلفها ما لا يرى بسهولة
فهو يرى أن كثيرا مما اعتاده الناس اليوم من أطعمة ومشروبات لم يعد كما كان في أصله
تغيرت مكوناته وتبدلت طرق تصنيعه وتداخلت فيه المواد الحافظة والإضافات
حتى صار الجسد في كثير من الأحيان يتلقى ما لا يشبه طبيعته الأولى
ومع مرور الوقت تظهر آثار ذلك بصمت يتراكم حتى يتحول إلى معاناة
ومن هنا تأتي دعوته إلى العودة إلى الوعي البسيط الصادق
أن يسأل الإنسان نفسه قبل كل شيء
ماذا أتناول ولماذا أتناوله وما أثره علي بعد وقت لا لحظة الشبع فقط بل لحظة الحياة كلها
ويرى أن الجسد ليس مجرد وعاء عابر
بل هو أمانة ومسؤولية
وأن العناية به ليست رفاهية بل وعي وجودي
لأن الإنسان حين يضعف جسده يضعف معه تفكيره وطاقته وقدرته على مواجهة الحياة
ويؤكد أن التجربة الشخصية حين تبنى على الملاحظة الصادقة والمتابعة الدقيقة قد تفتح أبوابا من الفهم لا تمنحها النظريات وحدها
فالإنسان حين يراقب نفسه بصدق يكتشف ما لا يقال له
ويصل إلى ما لا يكتب في الكتب أحيانا
وبين العلم والتجربة والتأمل تتشكل ملامح وعي جديد
فلا يكتفي بما يقال بل يبحث عما يجعل الإنسان أكثر مسؤولية تجاه نفسه وتجاه اختياراته اليومية الصغيرة التي تصنع مستقبله الصحي والإنساني
وفي ختام هذا الحديث نسأل الله أن يرحم روح الدكتور ضياء العوضي رحمة واسعة
وأن يسكنه فسيح جناته ويغفر له ويجزيه خير الجزاء على ما قدمه من علم وأثر طيب بين الناس
وأن يجعل ما تركه من فكر ووعي في ميزان حسناته يوم يلقاه
ويبقى الأثر الحقيقي لا يقاس بطول العمر
بل بما يتركه الإنسان في قلوب الآخرين من نور وكلمة صادقة وعلم نافع
فرحم الله روحا مضت وبقي أثرها شاهدا عليها
وجعل الله ما قدمه صدقة جارية لا تنقطع بإذن الله
