أحدث مقالي الأخير قبل أيام "جميعهم ينتظرون تدخل ربّ السماء "موجة حادة من ردود الفعل، منهم من كان محقاً في بعض ما ذهب إليه،وآخرون لم تصلهم رسائل المقال كما أُريد لها أن تصل. وطرف ثالث كأنه يقول الدين خط أحمر لا يجوز البحث به، مع أنني أتحدث عن السياسيين الذين ألبسوا مصالحهم وفسادهم السياسي ثوب الدين.
كانت المضامين الرئيسة في مقالي السابق،وأؤكد عليها في هذا المقال، أن العالم منذ بدايات العصر الحديث وحتى يومنا هذا يشهد حراكاً سياسياً، وأحياناً حروبا مسعورة توجهها المصالح المتعددة الأغراض التي غالباً ما تلبس ثوب الدين،ومن أمثلتها الفاقعة؛ حروب السنوات الأخيرة التي خلخلت استقرار الأقليم،وأبادت وتبيد مناطق وسكان بطرائق وحشية نتنة!!! وتبين أن ركاب هذه الحروب التي تحرق البشر والحجر بأحدث الأسلحة فتكا هي ما تسمّى "الصهيونية المسيحية"، وأكثر تحديدا "الإنجيليّة الصهيونية"، ويطلق هذا المسمى عادة على أغلب المسيحيين المنحدرين من الكنائس الأصولية البروتستانتية التي تؤمن بأنّ قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ كان ضرورة ومتطلب لإتمام نبؤات الكتاب المقدس بعهدَيه: القديم والجديد.وعليه فإن قيام إسرائيل يشكل المقدمة لمجيء المسيح الثاني إلى الأرض ملِِكًا منتصرًا لألف عام، بعد حرب سيخوضها ضدّ الشّرّ في العالم.
إن حادثة إحراق السائح الأسترالي "دِنيس روهان" المسجد القبلي داخل المسجد الأقصى المبارك كشفت المفاجِئة الكبرى للعالم بأسره، حيث لم يكن الشاب الذي ارتكب هذه الجريمة يهوديا صهيونيا، ولكنه كان ينتمي إلى الكنيسة الإنجيلية المسيحية، ووصف نفسه بأنه "مبعوث الرب" الذي على يديه سيُهدم المسجد الأقصى ويُعاد بناء الهيكل؛ ليخرج المسيح مُجددا في ظل مجتمع يهودي تماما، كما خرج أول مرة قبل ألفي عام.
وفي ذات السياق وضّح المؤرخ "إيلان بابيه" أن اللوبي الصهيوني لم ينشأ كحركة يهودية خالصة، بل كتَحالف ثلاثي الأركان قام في بريطانيا منتصف القرن 19. تكوّن هذا التحالف من المسيحيين الإنجيليين الذين انطلقوا من دوافع لاهوتية، والإمبرياليين البريطانيين الذين رأوا في المشروع فرصة لتوسيع نفوذهم على حساب الأمبراطورية العثمانية، وأقلية من النشطاء الصهاينة في أوروبا،بهدف تحويل الفكرة الدينية إلى مشروع استعماري سياسي يهدف إلى نقل يهود وسط أوروبا وشرقها إلى فلسطين لحل ما اعتبروه "مشكلة أوروبية.
وبذات السياق فإن رائد حركة الإصلاح الديني" مارتن لوثر" في كتابه " المسيح ولد يهوديا"دافع عن اليهود، ونبش العقائد الدينية السابقة للكنيسة، وبعث نبوءات العهد القديم بصورة لم يألفها المجتمع المسيحي حينذاك، وأثّر وغير الكثير في نظرة المجتمع المسيحي لليهود، وجعل من العهد القديم مفتاحا للكشف عن الجذور اليهودية للمسيحية.
وعودا إلى بعض ردود الفعل على مقالي السابق نختار:
⁃كتب الدكتور تيسير العماري:
اسمح لي ان انوه إلى أن المسيحية المتصهينة هي" الإيفانجيلية" وليست "الإنجيليّة "ودُعمت من الصهيونية إعلاميا وماديا.وكان كارتر أول رئيس أمريكي منهم، ثم جاء ريكان، من بعده، ثم بوش الأب، ثم بوش الأبن،ثم بايدن ، ثم ترامب، وجميعهم دُعموا من الافانجيلين في أمريكا، ويقدر عددهم من سبعين إلى ثمانين مليوناً ،فهم قوه انتخابيه كبيرة يؤمنون بالمجيء الثاني للمسيح الذي سيحكم العالم الف سنة.ولن ياتي المسيح إلا بإقامة دولة اسرائيل، ومجيء كل اليهود إلى فلسطين، وإعادة بناء الهيكل.
⁃كتبت الدكتورة صفاء شويحات
اخشى من تصوير أتباع أديان أو طوائف كاملة وكأنهم يتحركون ضمن مشروع موحّد يحمل خطر تعزيز الصور النمطية والانقسام، بينما الحقيقة أن داخل كل دين وتيار تنوعًا فكريًا وسياسيًا واسعًا، وفيه أصوات تدعو للسلام والعدالة وكرامة الإنسان.كما أن الخطاب الذي يربط السياسة بالنبوءات الدينية بشكل مباشر قد يدفع المجتمعات نحو الخوف والتعبئة العاطفية بدل التفكير النقدي والعقلاني، ويجعل الإنسان العادي يشعر أن الصراع قدر محتوم لا يمكن تغييره، بينما التاريخ يثبت أن الوعي، والتعليم، والعدالة، والحوار، هي الأدوات الحقيقية لبناء الاستقرار.
⁃وكتب الباشا صايل العمري
لا مانع أن يتعلق الجميع بنبوآت صحت وصدقت . . أم أنها لم تحمل اي قدر من الصدقية . . والعاقل من لا يتعلق بسراب ولا ينحو نحو خيال ولا يغلق قبضته على ماء لن يصل منه إلى فيه ولو قطرة . وكما يبدو دون أدنى شك أن كلا المتحاربين المتضادين المتنازعين يرى في أطروحته الهدى وتحقيق النصر الذي يكاد يلمسه ولا يعلم زمانه تحديدا .مع أن التساؤل الذي يبقى قائماً
: أي الفريقين أولى بالنصر {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
وحقيقة أن التطرف مهما كان مصدره، دين أم سياسة، أم غير ذلك مرفوض ومنبوذ هو وأصحابه،والخير والعدل هما أساس القيم الإنسانية التي يجب أن تسود حياتنا وتنتظر مستقبلنا.
حماك الله ياوطني من كل شر وأبقاك عنوان للوسطية والاعتدال والسلام.