في زمنٍ عجيب، لم تعد المشكلة في الكراسي، بل في الذين يجلسون عليها. فالكرسي، في الأصل، ليس قطعة أثاث فاخرة، ولا صورة تُعلّق على الجدار، ولا مكتبًا واسعًا تحرسه السكرتاريا والقهوة السادة. الكرسي مسؤولية، وامتحان، وميزان. لا يكبر بمن يجلس عليه إذا كان صغيرًا، ولا يصغر إذا جلس عليه رجل يعرف قدره، وقدر الناس، وقدر الدولة.

لكن ما يحدث أحيانًا أن بعض المناصب الكبيرة تُسلَّم إلى شخصيات أصغر من حجمها، فيدخل أحدهم إلى الموقع كما يدخل طفل صغير في بدلة أخيه الأكبر؛ البدلة واسعة، والأكمام طويلة، والخطوة مرتبكة، والناس من حوله يصفقون كأنهم يشاهدون عرضًا ناجحًا. لا أحد يسأل: هل امتلأ الكرسي بصاحبه، أم أن الكرسي ابتلع صاحبه؟

وقديمًا قيل: على قدر أهل العزم تأتي العزائم. أما اليوم، فيبدو أن بعض العزائم صارت تأتي على قدر أهل العلاقات، والمجاملات، والهواتف التي لا تنام. لم يعد السؤال أحيانًا: من الأقدر؟ بل: من الأقرب؟ من الأنسب للمرحلة كما يقولون؟ مع أن المرحلة نفسها تقف حائرة وتسأل: وأنا ما ذنبي؟

ولأننا في عصر التطوير، صار كل شيء قابلًا لأن يُغلَّف بهذا العنوان السحري: تطوير الإدارة، تطوير الخطاب، تطوير الصورة، تطوير الشعارات. حتى الخضار دخلت عصر التطوير. كنا نعرف البندورة بندورة؛ لها وزن وشكل وطعم، تمسكها فتشعر أنك تمسك ثمرة خرجت من الأرض، لا من مختبر تجارب. أما اليوم، فقد صارت أحيانًا بحجم حبة الكرز، جميلة في العلبة، لكنها لا تشبع ذائقة ولا تصنع موسمًا.

وكنا نأكل الخيار من المقثاة؛ خيارًا يعرف نفسه ووظيفته، له رائحة الأرض وطعم الصيف. فإذا بنا أمام خيار صغير بحجم إصبع الطفل، يقدمونه في علبة فاخرة كأنه فتح زراعي عظيم، لا تدري هل تأكله أم تحفظه شاهدًا على عبقرية التصغير.

وهكذا صارت بعض البلاد تشبه سلة خضار مطوّرة: أشياء صغيرة بغلاف كبير، وقرارات ضخمة بعقول خفيفة، ومناصب واسعة على أصحاب ضيقين. الفرق الوحيد أن البندورة الصغيرة لا تدّعي أنها بطيخة، والخيار الصغير لا يخطب في الناس عن الأمن الغذائي، أما بعض الصغار حين يجلسون على الكراسي الكبيرة، فيظنون أن الكرسي سيمنحهم الحجم، لا أنهم هم الذين يجب أن يمنحوه القيمة.

المشكلة ليست في العمر، ولا في أن يكون الإنسان جديدًا، ولا في أن تأتي وجوه مختلفة إلى مواقع المسؤولية. فكم من شاب حمل عقل دولة، وكم من وجه جديد أنقذ مؤسسة من الترهل. المشكلة حين يُقدَّم الصغير على أنه كبير فقط لأن أحدهم أراد ذلك، وحين يصبح المنصب تجربة مفتوحة، كأننا لا نتحدث عن مصالح ناس، ومال عام، وقرارات تمسّ حياة المواطنين.

والأخطر أن بعض هؤلاء لا يأتون وحدهم، بل تأتي معهم فرقة كاملة من المصفقين، تشرح للناس أن الصغر رؤية، وأن الخفة مرونة، وأن قلة الخبرة تجديد، وأن العجز عن ملء الكرسي نوع من التواضع الإداري. وهنا تصبح الكارثة مضاعفة: لا نحن أمام كفاءة حقيقية، ولا أمام اعتراف بالنقص، بل أمام مسرح كامل يحاول إقناع الناس أن التصغير مشروع نهضة، وأن العلبة الفاخرة أهم من الثمرة نفسها.

إننا لا نعترض على التطوير، بل نبحث عنه منذ زمن. لكن التطوير الحقيقي لا يعني أن نصغّر الأشياء الكبيرة، ولا أن نكبّر الأشياء الصغيرة بالتصريحات والبروباغندا. التطوير يبدأ من هندسة الأوزان، ومن إعادة الاعتبار للمؤسسية والمساءلة، وتفعيل موازين الكفاءة الوطنية كمعيار وحيد للعبور إلى المواقع القيادية.

فالإدارة ليست حقل تجارب، والوطن لا يُبنى بالوجوه المستعارة، ولا بالهندسة الشكلية للمناصب، بل بالرجال والنساء الذين تشربوا معنى المسؤولية، وعجنوا خبراتهم في تفاصيل العمل العام الحقيقي، لا في صالونات المجاملات والمحاصصة.

لا يكفي أن نضع شخصًا على كرسي كبير حتى يصبح كبيرًا، كما لا يكفي أن نضع حبة بندورة صغيرة في طبق فاخر حتى تتحول إلى موسم زراعي ناجح. فالأوطان في لحظاتها التاريخية الفارقة لا تحتاج إلى كراسي أكبر، بل تحتاج إلى قامات تملأ هذه الكراسي علمًا، وجرأةً، وإنجازًا. لأن الكرسي إذا كان أكبر من صاحبه، لا يرفعه أبدًا؛ بل يصبح المجهر الذي يكشف صِغَر حجمه أمام الجميع.